112
الجزء ٥ · صفحة ١٧٨﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً ﴾ مثلا مفعول ثان ، وقدم التشويق إلى ما به الضرب ، وقرية مفعول أول أى صيَّر الله قرية مثلا ، والمراد نفس القرية أو أهلها على حذف مضاف ، أو أهلها تسمية لهم بها لحلولهم بها ، أو وضعت لهم اسمًا كما وضعت للمحل ، والمثل كلام شبه مضر به بمورده الكلام على القرية ، ورد فيها وما أشبهها مضرب يمثل له بها ، والقرية مكة ، وقيل مطلق قرية ، لا مخصوصة ، وذكر ابن عباس أنها مكة ، ورجحه أبو حيان لمناسبة ، ولقد جاءهم رسول منهم أصابها القحط بعد أن كانت راغدة العيش بالطائف وجدة ، وما قاربها من القرى ، وقوافلهم من اليمن والشام ، وأصابتها الغارات ممن حولها قبل الهجرة ، أو تخوفوها ولو لم تكن بعد الاطمئنان من الخوف ، كما قال الله D :
﴿ كَانَتْ آمِنَةً ﴾ من الخوف ﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ لا يحتاج إِلى الانتقال عنها ﴿ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا ﴾ واسعًا ﴿ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ بحر وبر ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ ﴾ بدين الله ونبيه A ، أو أنعمه البدنية والمالية ، والاحترام والمفرد نعمة ، كأنه بلا تاء كدرع وأدرع ، أو نعم بضم فإسكان كبؤس وأبؤس ، أو نعماء كبأساء وأبؤس واختار بعض أنه اسم جمع ، وكان من أوزان القلة ، والمراد الكثرة تلويحًا بأن العقاب المذكور مستحق بالقليل ، فكيف بالكثير ، والمراد بالقرية أهلها على حذف مضاف فيها ، وفى ضمائرها بعدها ، أو اسم محل لحال ، أو وضع اللفظ لهم كما وضع لها على الاشتراك .
﴿ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ أحاط عليهم بالرقة والصفرة ظاهرين عليهم ظهور اللباس على البدن ، وأصل الإذاقة الإطعام الأول ، ليختبر ، ثم استعمل فى مطلق الإطعام ، ثم فى مطلق الإصابة والابتلاء أو فى هذا بعد الإِطعام الأول إطلاقًا للمقيد على المطلق ، أو استعار الإذاقة للإبلاغ إِلى إِدراك أثر الضرر ، فاللباس لنحو الزرقة والصفرة استعارة ثانية ، وشبه الجوع والخوف بالمطعوم البشع ، ورمز إِليه بالإذاقة ، فهذه ثالثة مكنية ، فإنه لا يخفى أن الإذاقة للمطعوم والمشروب لا للجوع والخوف ، وإذا اعتبرنا شيوع الإذاقة بمعنى الإصابة حتى كأنها حقيقة لها ، كانت تجريدًا للاستعارة ، ولو قيل فكساها كان ترشيحًا ، وإن شئت ففى اللباس استعارتان : مصرحة إذ شبه ما غشى الإنسان عند الجوع به لجامع الاشتمال ، ومكنية إِذ شبه ما غشيه بالطعم المر بجامع الكراهة والقربة ، الإذاقة وهى تخييل .
﴿ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ فيما مضى أو استمروا عليه بأشياء يصنعونها ، أو بالأشياء التى يصنعونها من المحرمات ، أو بكونهم يصنعون الصنع الفاسد ، والواو لأهل القرية المعبر عنهم بلفظ القرية ، أو باسم مقدر مضاف إليها ، أو للقرينة على التجوز ، روعى لفظها فيما مر ، المعنى الآن وكذا فى الهاءات بعد ، وعبر بالصنع تلويحًا بأَن الشر فيهم راسخ كرسوخ الصنعة لصاحبها ، والمشهور أن ذلك بعد الهجرة .