التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة ص

الجزء ٤ · صفحة ٣٤

أم عندهم خزائنٌ رحمةِ رَبِّكَ العزيزِ الوهَّابِ(9)}؟ بَل أعندهم خزائن رحمته، وفي تصرُّفهم حتَّى يصيبوا بها مَا شاؤوا، ويصرفوها عمَّن شاؤوا فيتخيَّروا للنبوَّة بعض صناديدهم؟؛ والمَعنَى: إنَّ النبوَّة عطيَّة مِنَ الله يَتفضَّل بها عَلَى من يَشَاء من عباده، فلا مانع لَهُ، فإنَّه العزيز الغالب الذِي لاَ يُغلَب، الوهَّاب الذِي له أن يهب كلَّ مَا يَشَاء لمن يَشَاء، ثُمَّ رشَّح ذَلِكَ فقال: ﴿أم لَهُم مُّلكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَينهما﴾ كأنَّه لمَّا أنكر عَلَيْهِم التصرُّف فيِ نبوَّته، بِأَن ليس عندهم خزائن رحمته التِي لاَ نهاية لها، أردف ذَلِكَ بأنَّه ليس لَهُم مدخل فيِ هَذَا العالم الجسمانيِّ، الذِي هُوَ جزء يسير من خزائنه. ﴿فليرتقوا فيِ الأسباب(10)﴾ أي: إن كَانَ لَهُم ذَلِكَ، فليصعدوا فيِ المعارج التِي يُتَوصَّل بها إِلىَ العرش، حتَّى يستَوُوا عليه، ويدبِّروا أمر العالَم، فيُنزيلون الوحي إِلىَ من يستصْوِبون، وَهُوَ غاية التهكُّم بهم؛ وقيل: المراد بالأسباب: السَّمَاوَات، لأَنَّهَا أسباب الحوادث السفليَّة.

﴿جُندٌ مَا هنالك مَهزومٌ مِّنَ الأحزابِ﴾ أي: جُندٌ مِنَ الكفَّار والمتحزِّبين عَلَى الرسل، مهزوم: مكسور عمَّا قريب، فمِن أين لَهُم التدابير الآلهيَّة والتصرُّف فيِ الأمور الربَّانيَّة؟ فلا تَكترث بِمَا يقولون وَ«مَا» مزيدة للتعليل؛ و«هنالك» إشارة إِلىَ حيث وضعوا فِيهِ أنفسهم مِنَ الانتداب لمثل هَذَا القول.

﴿كذَّبت قبلهم قَومُ نُوحٍ، وعادٌ، وفرعونُ ذو الأوتادِ(12)﴾ ذو الملك الثابت بالأوتاد، كقوله:

ولقد غَنَوا فِيهَا بأنعم … عيشة … غنوا يعني: أقاموا

… ... فيِ ظلِّ ملك ثابت الأوتاد (1)

(1) - … البيت للأسود بن يعفر. انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 4/ 58. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص217.

١٬١٩٦ / ١٬٥٨٨