سورة الزمر
الجزء ٤ · صفحة ٥١وَالذِينَ اجتَنَبوا الطاغوتَ} البالغ غاية الطغيان، ﴿أن يَعبُدُوها، وأنابوا إِلىَ الله﴾ وأقبلوا إِلَيْهِ بصفاء لُبِّهم، ﴿لَهُمُ البشرَى﴾ بالثواب عَلَى ألسنة الرسل والمَلاَئِكَة عند حضور الموت مُعاينة ومُشاهدة؛ وقيل: الموت بشارة باليقين، ﴿فبشِّر عبادِ(17) الذِينَ يَستمِعون القَولَ، فيتَّبِعُون أحسنَه﴾ لأَنَّهُم نُقَّاد فيِ الدين، يُمَيِّزون بين الحقِّ والباطل، ويُؤثِرون الأفضل فالأفضل، ﴿أُولَئِكَ الذِينَ هداهم الله﴾ لخالص دينه، ﴿وأولئك هُم أولو الألبابِ(18)﴾ العقول السليمة، عند مُنازَعة الوهم والعادة، وفي ذَلِكَ دلالة عَلَى أنَّ الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس بها.
﴿أفَمَن حقَّ عليه كَلِمةُ العذابِ﴾ فيِ علم الله، أنَّهُ من أهل (لَعَلَّهُ) النَّار، ﴿أفأنت تُنقِذ مَن فيِ النار(19)﴾؟ دلالة عَلَى أنَّ مَن حُكِم عليه بالعذاب كالواقع فِيهِ لامتناع الخُلفِ، وأنَّ اجتهاد الرَّسول فيِ دعائهم إِلىَ الإيمان سعيٌ فيِ إنقاذهم مِنَ النَّار. ﴿لكنِ الذِينَ اتَّقَوْا ربَّهم﴾ لكن ذكِّر من تَنفعه الذكرَى، وَهُم المُتَّقون لاَ غير، وتَذكيرُ من سِواهم إلزاما للحجَّة، ﴿لَهُم غُرَفٌ مِن فوقِها غُرَفٌ﴾ أي: لَهُم مَنازل فيِ الجنَّة رفيعة فوقها مَنازِل أرفع منها، ﴿مَبنِيَّة، تَجرِي من تحتها الأنهار، وعدَ الله لاَ يُخلِفُ الله الميعادَ(20)﴾ لأَنَّ الخُلفَ نقصٌ، وَهُوَ عَلَى الله مُحال.
﴿ألم تَرَ أنَّ الله أنزَلَ مِنَ السَّمَاء ماءً فسلكه﴾ فأدخله ﴿ينابيعَ فيِ الأَرْض﴾ هِيَ عُيُون ومَجارِي كائنة فِيهَا، ﴿ثُمَّ يُخرِج بِهِ زرعا مُختَلِفا ألوانُه ثُمَّ يهيجُ﴾ يتمُّ جفافه، ﴿فتراه مُصفرًّا، ثُمَّ يَجعله حُطاما﴾ فُتاتا، ﴿إنَّ فيِ ذَلِكَ لَذِكرَى﴾ تُذكِّر بأنَّه لاَ بُدَّ لَهُ من صانع حكيم دبَّره وسوَّاه، [وَ]بأنَّه مثل الحياة الدُّنْيَا فلا يغترَّ بها، ﴿لأولي الألباب(21)﴾ إذ لاَ يَتذكَّر بِهِ غيرهم.
{