سورة الزمر
الجزء ٤ · صفحة ٥٥ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجلاً} (لَعَلَّهُ) للمشرك والموحِّد، ﴿فِيهِ شركاء مُتشاكِسون﴾ (لَعَلَّهُ) مختلفون، أي: أهوية مختلفة مُتضادَّة، ﴿ورجلا سَلَمًا لِرجلٍ﴾ مثل المشرك عَلَى مَا يقتضيه مذهبه، من أن يدَّعي كلٌّ من معبوديه عبوديَّته، ويتنازعون فِيهِ، مثل عبد يتشارك فِيهِ جماعة يتجاذبونه، ويتعاوزونه (1) فيِ مهامهم المختلفة، وَهُوَ مُتحيِّر بَيْنَهُم، لاَ يدري أن يُقبِل عَلَى مَن مِنْهُم، ويُدبِر عمَّن، لأَنَّ نفسه وَاحِدَة وأنفسهم كثيرة، ويكون قلبه مُتوزِّعا بَيْنَهُم؛ والموحِّد كمن أخلص لوَاحِد ليس لغيره عليه سبيل. وأصل التشاكش والتشاخص: الاختلاف، ﴿هل يستويان مثلاً؟ الحمد لله﴾ كلُّ الحمد لله لاَ يشاركه فِيهِ عَلَى الحقيقة سواه، لأَنَّهُ المنعم بالذات والمالك عَلَى الإطلاق، ﴿بَل أكثرهم لاَ [514] يَعْلَمُونَ (29)﴾ أنَّ فِيهِم شركاء.
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُونَ (30)﴾ فإنَّ الكلَّ بصدده الموت، وفي عداد الموتى، ﴿ثمَّ إِنَّكُم يومَ القيامة عند رَبِّكُم تختصمُونَ (31)﴾ فتحتجَّ عَلَيْهِم بأنَّك كنت عَلَى الحقِّ فيِ التوحيد، وكَانُوا عَلَى الباطل فيِ الشرك، واجتهدت فيِ الإرشاد والتبليغ ولجُّوا فيِ التكذيب (2) والعناد، ويعتذرون بالأباطيل مثل: ﴿أطعنا سادتنا﴾ (3)؛ ﴿وجدنا آباءنا﴾ (4)؛ وَقِيلَ: المراد بِهِ: الاختصام العامُّ، يُخاصم النَّاس بعضهم بعضا فيِ مَا دار بَيْنَهُم فيِ الدُّنْيَا. ﴿فمَن أظلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله وكذَّب بالصدق إذ جاءه﴾ حين قامت عليه حجَّته، من أيِّ علم كَانَ؛ ﴿أليس فيِ جَهَنَّم مَثوًى﴾ منزلا ومقاما ﴿للكَافِرِينَ (32)﴾؟ وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم.
{
(1) - … وَفيِ تفسير البيضاوي: «يتعارونه»، من الإعارة. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص97.
(2) - … في الأصل: «التك بب»، وهو خطأ.
(3) - … سورة الأحزاب: 67.
(4) - … سورة الشعراء: 74 …