التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الزخرف

الجزء ٤ · صفحة ١١٨

ومن يَعشُ عَن ذِكر الرحمن} يتعامى ويعرضْ عَنْهُ، لفرط اشتغاله بالمحسوسات، وانهماكه فيِ الشهوات، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ نضمَّ إليه ﴿شيطانا﴾ يوسوسه ويغويه دائما، ﴿فهو لَهُ قرِين (36)﴾ لاَ يُفارقه، ومن تفسير آخر: ﴿ومن يَعشُ﴾: يتعامَ (1) (لَعَلَّهُ) بالهوى ﴿عَن ذكر الرحمن﴾ عَمَّا أمر بِهِ ونهى عَنْهُ، ولو فيِ حرف واحد، ﴿نُقيِّضْ﴾ نجعل (لَعَلَّهُ) له شيطانا يُزيِّن لَهُ مَا تعامى عَنْهُ، لأَنَّ الحبَّ للشيء (لَعَلَّهُ) يُعمي ويُصمُّ؛ ﴿وَإنَّهُم ليَصُدُّونهم عَن السَّبيل﴾ عَن الطريق الذِي من حقِّه أن يُسبَل ﴿ويحسبون أَنَّهُم مُّهتدُونَ (37)﴾.

﴿حَتَّى إِذَا جاءَنَا﴾ هُوَ وقرينه، ﴿قَالَ: يا ليت بيني وبينَك بُعدَ المشرقين﴾ بُعد المشرق مِنَ المغرب فيما قيل، ﴿فبِئْسَ القرِينُ (38) ولن ينفعكم اليومَ﴾ أي: مَا أَنتُم عليه مِنَ التمنِّي، ﴿إذ ظلمتُم﴾ أنفسكم فيِ الدُّنْيَا، ﴿أَنَّكُم فيِ العذاب مُشترِكُونَ (39)﴾ لأَنَّ حقَّكم أن تشتركوا وشياطينكم فيِ العذاب كما كُنتُم مشتركين فيِ سببه.

﴿أفأنت تُسمِعُ الصمَّ أو تَهدي العُميَ﴾ إنكارُ تعجُّب من أن يكون هُوَ الذِي يقدر عَلَى هدايتهم بعد انهماكهم فيِ الكفر، واستغراقهم فيِ الضلال، صار عَشَاهم عمًى ومقرونا بالصمم. كَانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُتعِب نفسه فيِ دعاء قومه، وَهُم لاَ يزدادون إِلاَّ بُعدا، ﴿ومن كَانَ فيِ ضلالٍ مُبِينٍ (40)﴾.

﴿فَإِمَّا نَذهبنَّ بِكَ﴾ أي: فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم، ﴿فإنَّا مِنْهُم مُّنتقِمُونَ (41)﴾ لَهُم عذاب (2) فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة. ﴿أو نُرينَّك الذِي وعدناهم﴾ أو إن أردنا أن نُرِيك مَا وعدناهم مِنَ العذاب، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِم مُقتدرُونَ (42)﴾ لاَ يفوتونا.

{

(1) - … فيِ الأَصْلِ: «يتعامى»، وَهُوَ خطأ من الناسخ.

(2) - … الأصوب: «﴿منقمون﴾ بعذابٍ … » كما عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص131.

١٬٢٨٠ / ١٬٥٨٨