سورة الزخرف
الجزء ٤ · صفحة ١٢٠وَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الساحر} نادَوه بذَلِك فيِ تلك الحال، لشدَّة شكيمتهم وفرط حماقتهم؛ وقيل: الساحر معهم: العالِمُ الكامل الحاذق، ﴿ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عندك﴾ بعهده عندك النبوَّة، أو من أن يستجيب دعوتك، ﴿إِنَّنَا لَمُهتدُونَ (49) فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم العذاب إِذَا هم يَنكثُونَ (50)﴾ ينقضون عهدهم.
﴿ونادى فرعونُ فيِ قومه﴾ فيِ مجمعهم ﴿قَالَ: يا قومِ أليسَ لي مُلكُ مصرَ وهذه الأنهارُ تجري مِن تَحتِي﴾ من تحت قصري، أو أمري، أو بين يديَّ فيِ جنَّاتي، ﴿أفلا تبصرُونَ (51)﴾ ذَلِكَ؟ ﴿أم أنا خيرٌ﴾ مَعَ هَذِهِ المملكة والسلطنة، ﴿مِن هَذَا الذِي هُوَ مَهينٌ﴾ ضعيف حقير لاَ يستعدُّ للرئاسة؛ مِنَ المهانة: وهي القِلَّة، ﴿وَلاَ يكاد يُبِينُ (52)﴾ الكلامَ لِمَا بِهِ مِنَ اللكنة، فكيف يصلح للرسالة؟ ﴿فلولا أُلقِيَ عليه أَسوِرة مِن ذَهَبٍ﴾ أي: فهلاَّ أُلقِي عليه مقاليد الملك إن كَانَ صادقا؛ إذ كَانُوا إِذَا قدَّموا رجلا سَوَّرُوه وطوَّقوه بِطَوق من ذهب، ﴿أو جاء معه المَلاَئِكَة مُقتَرنِينَ (53)﴾ مقرونين متتابعين، يتابع بعضهم بعضا يشهدون لَهُ بصدقه، ويعينونه عَلَى أمره. ﴿فاستخفَّ قومَه﴾ فطلب مِنْهُم الخِفَّة فيِ مطاوعته، ﴿فأطاعوه﴾ فيما أمرهم بِهِ، ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقِينَ (54)﴾ فلذَلِك أطاعوه.
﴿فَلَمَّا آسفونا﴾ أغضبونا بالإفراط فيِ العناد والعصيان، منقول من أَسِف: إِذَا اشتدَّ غضبه، ﴿انتقمنا مِنْهُم فأغرقناهم أجمعِينَ (55) فجعلناهم سَلَفا﴾ قدوةً لمن بعدهم مِنَ الكُفَّار، يقتدون بهم فيِ الاستحقاق مثل أعقابهم (1)؛ وقيل: فجعلناهم مُتقدِّمين يتَّعظ بهم الآخِرون، ﴿ومَثلا [543] للآخِرِينَ (56)﴾ عبرة وعِظَةً، ﴿ومثلا للآخرين﴾ أي: عِظَة لَهُم، أو قِصَّة عجيبة تسير مسير الأمثال لَهُم، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون.
{
(1) - … الصواب ما ذكره البيضاوي: «في استحقاقِ مثلِ عِقابهم». تفسير، ج4/ ص132.