سورة الجاثية
الجزء ٤ · صفحة ١٣٦أم حسبَ الذِينَ اجترحُوا السَّيِّئَاتِ} أي: اكتسبوها، ﴿أن نجعلهم﴾ أي: نُصَيِّرهم ﴿كالذين آمَنُوا وعملوا الصَّالِحَات، سواء مَحيَاهم [549] ومَماتُهم﴾ المعنى: إنكار أن تكون حياتهم ومماتهم سواء، ﴿ساء مَا يَحكمُونَ (21)﴾ ساء حكمهم هَذَا، أو بِئْسَ شَيْئًا حكموا بِهِ ذَلِكَ.
﴿وخلقَ الله السَّمَاوَات والأَرْض بِالْحَقِّ﴾ كأنَّه دليل عَلَى الحكم السابق من حيث أنَّ خلق ذَلِك مُقتضًى للعدل، يَستدعي انتصارَ المظلومِ مِنَ الظالمِ، والتفاوت بين المسيء والمحسن فيِ الدارين، ﴿ولتُجزَى كُلُّ نفس بِمَا كسبت وَهُم لاَ يُظلمُونَ (22)﴾ بنقص ثوابٍ، وتضعيف عذاب.
﴿أفرَأيتَ من اتَّخَذَ إلهه هواهُ﴾ ترك متابعة الهدى إِلىَ متابعة الهوى، فكَانَ يعبده لأَنَّهُ أطاعه؛ لأَنَّ الكافر إِذَا اتَّخَذَ دينه مَا يهواه، فلا يهوى شَيْئًا إِلاَّ رَكِبه، لأَنَّهُ لاَ يؤمن بالله وَلاَ يخافه، وَلاَ يُحرِّم مَا حرَّم الله؛ وقيل: اتَّخَذَ مَعبودَه هواهُ، فيعبد مَا تهواه نفسه؛ وقيل: سُمِّي الهوى، لأَنَّهُ يُهوي بصاحبه إِلىَ النار، ﴿وأضلَّه الله﴾ وخذله ﴿عَلَى عِلمٍ﴾ عالما بضلاله وفساد جوهر نفسه الروحانيَّة؛ ومعنى الضلال هاهنا: من طريق الهلاك (1)، ﴿وختمَ عَلَى سمعه وقلبه﴾ فلا يُبالي بالمواعظ، وَلاَ يتفكَّر فيِ الآيات، ﴿وجعل عَلَى بصره غِشاوة﴾ فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، ﴿فمن يَهديه مِن بَعدِ الله﴾ من بعد إضلاله، وهو سبب تركه اختيار الهدى، ﴿أفلا تذَكَّرُونَ (23)﴾؟ فتتَّعظون.
{
(1) - … فيِ العبارة خلل، وَلَعَلَّ بها سقطا، أو صوابها: «سلوك طريق الهلاك»، أو نحو ذَلِكَ.