سورة الذاريات
الجزء ٤ · صفحة ١٨٩فَرَاغَ إِلىَ أهله} فذهب إِلَيْهِم فيِ خفية من ضيفه؛ فإنَّ من أدب المضيِّف أن يُبادره بالقِرَى حَذرًا من أن يكفَّه الضيف، ﴿فجاء بِعِجْلٍ سمِينٍ (26)﴾ قيل: لأَنَّهُ كَانَ عامَّة ماله البقر. ﴿فقرَّبَهُ إِلَيْهِم﴾ بِأَن وضعه بين أيديهم، ﴿قَالَ: أَلاَ تأكلُونَ (27)﴾؟ أي: مِنْهُ؛ والحثُّ عَلَى الأكل عَلَى طريقة [الأدب]؛ أو قاله أوَّل مَا وضعه؛ وللإنكار إن قاله حيث مَا رأى إعراضهم (1). ﴿فأوجَسَ مِنْهُم خيفةً﴾ فأضمر مِنْهُم [خوفا] (2) لَمَّا رأى إعراضهم عَن طعامه، لظنِّه أنَّهم [572] جاؤوه بشرٍّ؛ وقيل: وقع فيِ نفسه أنَّهم مَلاَئِكَة أُرسِلوا للعذابِ (3)، ﴿قَالُوا: لاَ تخفْ﴾ إِنَّا رُسُل الله، ﴿وبشَّروه بِغلام﴾ وَهُوَ إسحاق؛ ﴿عليمٍ (28)﴾.
﴿فأقبلتِ امرأَتُه فيِ صَرَّةٍ﴾ فيِ صيحة، ﴿فصكَّت وَجهَهَا﴾ فَلَطمت بأطراف الأصابع جَبهَتَها، فعل المتعجِّب؛ وقيل: وجدت حرارة (4) دم الحيض، فلَطمت وجهها مِنَ الحياء، ﴿وقالت: عجوزٌ عقيمٌ (29)﴾ أي: أنا عجوز عاقر، فكيف ألِد؟!. ﴿قَالُوا: كذلكِ﴾ مثل ذلك الذِي بشَّرناه، ﴿قَالَ: ربُّكِ﴾ وإنَّما نخبرك بِهِ عَنْهُ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليمُ (30)﴾ فيكون قوله حقًّا، وفعله مُحكمًا.
{
(1) - … العبارة غامضة ولتوضيحها نورد نصَّ البيضاويِّ: «والهمزة فيه للعرضِ والحثِّ عَلَى الأكل عَلَى طريقة الأدب إن قاله أوَّل مَا وضعه؛ وللإنكار إن قاله حينمَا رأى إعراضهم». انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص167.
(2) - … إضافة من البيضاويِّ ليستقيم المَعْنَى. المصدر نفسه.
(3) - … فيِ الأَصْلِ: «أرسلوا العذاب»، وَهُوَ خطأ.
(4) - … فيِ الأَصْل: «جواره»، ولا مَعْنَى له، وصحَّحناه من المصدر نفسه.