سورة الطور
الجزء ٤ · صفحة ١٩٨فَذَكِّرْ} فاثبت عَلَى التذكير، وَلاَ تكترث بقولهم، ﴿فما أنت بنعمة ربِّك﴾ بحمد الله وإنعامه، ﴿بكاهنٍ وَلاَ مجنُونٍ (29)﴾ كما يقولون. ﴿أم يقولون شاعر نتربَّص بِهِ ريبَ الْمَنُونِ (30)﴾ مَا تقلق النفوس بِهِ من حوادث الدهر؛ وقيل: المنون الموت. ﴿قل تربَّصوا فَإِنِّي معكم مِّنَ المتربِّصِينَ (31)﴾ أتربَّص هلاككم كما تتربَّصون هلاكي.
﴿أم تأمرهم أحلامهم﴾ عقولهم ﴿بهذا﴾؟ بهذا (1) التناقض فيِ القول؛ فإنَّ الكاهن يكون ذا فطنة ودقَّة نظر، والمجنون مغطًّى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متَّسق (2) مُخيَّل، وَلاَ يتأتَّى ذَلِكَ مِنَ المجنون؛ وأمر الأحلام مجاز أدائها الوهم (3)، ﴿أم هم قوم طاغُونَ (32)﴾؟ مُجاوزون الحدَّ فيِ العناد؛ وقرئ: «بَل هم». ﴿أم يقولون: تَقوَّله﴾؟ اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ (33)﴾ فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم. ﴿فليأتوا بحديثٍ مِّثْلِه إن كَانُوا صادقِينَ (34)﴾ كما يقولون: إنَّه تقوَّله، لأَنَّهُ إِذَا قدر هُوَ أن يتقوَّله قدروا هم عَلَى مثله، لأَنَّهُم مثله فيِ الخلقة أو الفصاحة.
{
(1) - … فيِ الأَصْلِ: «لهذا».
(2) - … فيِ الأَصْلِ: «مستق»، وَهُوَ تصحيف.
(3) - … الصواب: «إِلَيْهِ»، كما فيِ سائر التفاسير، ولتوضيح العبارة نورد ما قاله الألوسيُّ: «وأمرُ الأحلام بِذَلِكَ مجازٌ عن التأدية إِلَيْهِ بعلاقة السببيَّة كما قيل، وَقِيلَ: جُعلت الأحلام آمرةً عَلَى الاستعارة المكنيَّة، فتُشبَّهُ الأحلام بسلطان مطاع تشبيها مضمرا فيِ النفس، وتُثبت له الأمر عَلَى طريق التخييل». الألوسي: روح المعاني، ج27/ ص37. وانظر نحو ذَلِكَ فيِ: الزمخشري: الكشَّاف، ج4/ ص329. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص170. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص150.