سورة الحديد
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٥اعلموا أَنَّمَا الحياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولَهْوٌ} فيِ انقضائها، وَقِلَّة حاصلها، وتعب طالبها، ﴿وزينةٌ وتفاخرٌ بينَكم وتكاثُرٌ فيِ الأموالِ والأولادِ﴾ لَمَّا ذكر حال الفريقين فيِ الآخِرَة، حقَّر أمور الدُّنْيَا ــ أعني مَا لاَ يُتوصَّل بِهِ إِلىَ الفوز الآجل ــ بِأَن بيَّن أَنَّهَا أمور خالية قليلة النفع، سريعة الزوال، لأَنَّهُ ﴿لعبٌ﴾ يُتعِب الناس فِيهِ أنفسهم حَدَّ أتعابِ (1) الصبيان فيِ الملاعب من غير فائدة، ﴿ولهوٌ﴾ يلهون بِهِ أنفسهم عمَّا يهمُّهم، ﴿وزينةٌ﴾ كالملابس الحسنة، والمراكب البهيَّة، والمنازل الرفيعة، ﴿وتفاخرٌ﴾ بالأنساب، ﴿وتكَاثرٌ﴾ بالعَدَدِ والعُدَدِ، ثُمَّ قرَّر ذَلِكَ بقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نباتُه، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراه مُصفَرًّا ثُمَّ يكون حُطامًا﴾ وَهُوَ تمثيل لها فيِ سرعة تقضيها (2)، وَقِلَّة جدواها، بحال نبات أنبته الغيث فاستوى، أُعجب بِهِ الحرَّاث أو الْكَافِرُونَ [596] بالله، لأَنَّهُم أشدُّ إعجابا بزينة الدُّنْيَا، ولأنَّ المؤمن إِذَا رأى معجبا انتقل فكره إِلىَ قدرة صانعه، فأُعجِب بها؛ والكافر لاَ يتخطَّى فكره عمَّا أحسَّ بِهِ، فيستغرق فِيهِ إعجابا، ثُمَّ هاج، أي: يبس بعاهة فاصفرَّ، ثُمَّ صار حطاما؛ كذلك الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وعليها؛ ثُمَّ عظَّم أمور الآخِرَة بقوله: ﴿وفي الآخِرَة عذاب شديد﴾ تنفيرًا عَن الانهماك فيِ الدُّنْيَا. وحثًّا عَلَى مَا يوجب كرامة العقبى؛ ثُمَّ أكَّد ذَلِكَ بقوله: ﴿ومغفرةٌ مِنَ الله ورضوانٌ، وَمَا الحياة الدُّنْيَا إِلاَّ متاعُ الغرورِ (20)﴾ أي: لمن أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخِرَة.
{
(1) - … فيِ تفسير البيضاوي: «يُتعِب الناس فِيهِ أنفسهم جِدًّا إتعابَ الصبيانِ». ج4/ ص189.
(2) - … كذا أَيضًا فيِ تفسير البيضاوي، ويبدو أَنَّ الصواب: «انقضائها». المصدر نفسه.