التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة التغابن

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٠

يا أيُّها الذين آمنوا إنَّ من أزواجِكم وأولادكم عَدُوًّا لكم} لمن عصى الله فيهما، أو عصى الله لأجلهما، ومن ذلك قال: ﴿إنَّ من أزواجكم وأولادكم﴾، و «مِن» هاهنا للتبعيض، لأنَّ من يطيع الله بهم وفيهم لأجلهم يكونون رحمة له، لأَنَّهُمْ أقرب الأشياء من غيرهم له لهذا وهذا (1)، ويكونون سببا للحالين، وقال: ﴿إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدوًّا لَّكم فاحذروهم﴾، لأَنَّ منهم العقلاء المخاطبين، فيكون بعضهم سببا للطاعة، وبعضهم سببا للمعصية، ومن ذلك لم يشرك المال فيهما في العداوة، وجعله فتنة، لأنَّه جماد يُيَمَّمُ ولا يتيمَّم بنفسه، وإِنَّمَا هو له (2) لاستعمال الحالين. ﴿فاحذروهم﴾ عن أن تعصو الله فيهما؛ ﴿وإن تعفوا﴾ عن ذنوبهم بترك المعاقبة [613] ﴿وتصفحوا﴾ بالإعراض، وترك التثريب عليها، ﴿وتغفروا﴾ بإخفائها، وتمهيد معذرتهم فيها، ﴿فإنَّ الله غفور رحيم (14)﴾ يعاملكم بمثل ما عَملتم، ويتفضَّل عليكم.

﴿إنَّما أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ﴾ فجميع الأموال والأولاد اختبار، وابتلاء للإنسان؛ فإن أطاع الله بهما فله الثواب، وإن عصى الله بهما فعليه العذاب في الدارين، ولذلك قال: ﴿إنَّما أموالكم وأولادكم … ﴾ ولم يقل: منها، ﴿والله عنده أجرٌ عظيمٌ (15)﴾ لمن آثر محبَّة الله وطاعته على محبَّة الأموال والأولاد والسعي لهم. ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم﴾ أي: ابذلوا في تقواه جُهدكم وطاقتكم، ﴿واسمعوا﴾ له أوامره، ﴿وأطيعوا﴾ وامتثلوا، ﴿وأنفِقُوا﴾ في وجوه الخير خالصا لوجهه ﴿خيرا لأنفسكم﴾ افعلوا ما هو خير لها، ﴿ومن يُوقَ شُحَّ نفسِه﴾ باستعماله للوقاية، ﴿فأولئك هم المفلحون (16)﴾.

{

(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: للخير وللشرِّ.

(2) - … فيِ الأَصْلِ: «هواله»، ولم يَتَّضِح لنا معناه وصحَّحناه حسب السياق.

١٬٤٤٢ / ١٬٥٨٨