تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

90

الجزء ٥ · صفحة ١٥٤

﴿ ونزلنا عليك الكتاب ﴾ وبعد الإجمال فى الأمر والنهى فصّل بعضا فى قوله تبارك وتعالى :

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ ﴾ بالعهد الذى عاهدتم الله .

﴿ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ شامل للطاعة والمباح فى الوعد والنذر بأى لفظ وشمل بيعة الإِمام اعتباراً بما بعد ، فإن الآية مكية ، وإنما البيعة بالمدينة ، ولا يلزم من وجوب الوفاء بالشئ إذا كان أن يكون جائز الوقوع فى الحال ، ألا ترى إلى قوله : إذا عاهدتم ، ودخل فيه بيعة الأنصار رضى الله عنهم الأولى والثانية والثالثة ، ودخل فيه كل ما قبلوه عنه A وحلف الجاهلية .

قال A : « كل حلف فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » وكانوا يتحالفون على التناصر ، فيبقى فى الإسلام على الوجه الشرعى ، ونسخ الإرث به ، والآية نزلت في بيعته وهى على العموم ، وخصوص السبب لا ينقض عموم اللفظ .

﴿ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ليس التوكيد قيدا فلا تنقض ، ولو لم تؤكد ولكن نزلت الآية وهم يؤكدونها ، فكانت على ما هم عليه ، وتوكيدها يكون بتكرير أسماء الله أو صفاته مثل : والله العزيز ، وقدرة الله وعزته وأفعاله عندى ، أو أراد بتوكيدها أنها بالله أو صفته أو فعله ، وأنها فى طاعة أو مباح ، وأنها بقصد لا يغلط أو نسيان أو توهم ، أو لغو كقولهم : لا والله ، وبلى والله ، ولا شئ على من حلف على ما توهم فلا عليه وعلى معصية ، ويجب النقض فيها ، ويستحب فيما إذا رأى ما هو أفضل .

قال A : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه » فالآية عامة خصصتها السنة ، وتجب المحافظة على الوفاء باليمين وإن نقضها وكفر فقد أساء ، لأن ذلك كالتهاون ، قال الله D : ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ وعموم آية السورة حجة أيضاً ، والتوكيد والتأكيد والتأكيد بالواو بالهمز لغتان ، وقيل : الهمز بدل منها .

﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاَ ﴾ صامتًا بالوفاء ، أو شاهدًا ورقيبا ، وذلك استعارة أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم ، وكذا الجعل ، ويجوز إبقاء كفيلا على ظاهره تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته ، وأنه يسلمهم لها كما سلم الكفيل من كفله . والجملة حال من واو تنقضوا ، وقد يراد بالعهد ما ذكر قبله ، والأيمان وخصهما بالذكر بعد .

﴿ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ من إيفاء ونقض وسائر أعمالكم ، أو من جعلكم الله عليكم كفيلا ، وذلك تهديد وتخصيص علىلوفاء وعدم النقض .

٢٬١٥٤ / ٦٬٠٩٣