تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

39

الجزء ٦ · صفحة ٤٩٦

﴿ والَّذين كَفَروا أعمالهُمْ ﴾ ما يعملونه مما هو طاعة شرعية ، وما يدعونه عبادة ، وليس عبادة كفك العانى ، وسقاية الحاج ، وعمارة البيت وإغاثة الملهوف ، وقرى الضيف ، وكلطخ البيت بدم الذبائح التى يتقربون بها ، ودخول البيوت من غير أبوابها إذا أحرموا ، وقولهم : لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك .

﴿ كسرابٍ ﴾ من سرب الماء بمعنى جريانه ، لأنه بخار رقيق يصعد من قيعان الأرض تصيبه الشمس فيرى من بعيد كأنه ماء سارب ، أى جار أو ما ترقرق منن الهواء وقت شدة الحر فى الفيفاء المنبسطة ، أو شعاع يرى نصف النهار وقت شدة الحر ﴿ بقيعةٍ ﴾ فى أرض مستوية منبسطة ، لا فى هوائها فقط نعت سراب ﴿ يحسبُه ﴾ يظنه ، وقيل : الظن أن يخطر الشيئان الجائزان ، أو الأشياء الجائزات فى القلب ، ويرجح أحدهما أو إحداهن ، والحسبان الحكم بواحد دون خطور الآخر ، دون أن يصل درجة العلم ، ويطلق أيضاً على معنى دعوى وصولها .

﴿ الظّمآن ﴾ العطشان ﴿ ماء ﴾ وكذا الريان يحسبه ماء ، إلا أنه خص الظمآن الماء المحسوب أو السراب ﴿ لم يجدهُ ﴾ أى لم يجد ما حسبه ماء هو السراب ﴿ شيئاً ﴾ محسوساً ولا معقولا فضلاً عن أن يكون ماء ، ولو كان فى نفس الأمر شيئاً ، وهو البخار المتصعد مثلاً ، ألا ترى أنه يرى من بعيد فلا بد أن له أصلا ، كما أن للحلقة الحاصلة من إدارة الشعلة بسرعة أصلاً ، وهو الشعلة .

﴿ ووجَد الله ﴾ مقدور الله ، وهو الاهلاك ﴿ عنْدَه ﴾ عند السراب ، أى يجد حساب الله عند السراب ﴿ فوفَّاه حِسابه ﴾ أعطاه حساب عمله كاملاً ، فيعذب العذاب المتوقف عليه كاملاً ، ولا يثابون على ما ظنوه من الأعمال نافعاً ، وعبادة فى الجملة لا يوم القيامة ، لأنه لا يؤمن به ، ولكن إذا بعث طمع أن ينفعه ذلك ، أو فرض أنه إن صحت القيامة نفعنى فيها ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ومثل ذلك فى المؤمن قوله تعالى : ﴿ يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ أى يجد مغفرته ورحمته ، وقيل نزلت الآية فى عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان يترهب فى الجاهلية ، ويلبس المسوح ، ولما جاء الاسلام كفر به .

روت صحابة أن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا ، فيقولون أين الماء فيمثل لهم السراب فى الساهرة ، فيحسبونه ماء فينطلقون اليه ، فيجدون الله تعالى عنده ، فيوفيهم حسابه ، تجرهم الزبانية الى النار ، وتسقيهم الحميم والغساق ، والكلام استعارة تمثيلية ﴿ والله سريعً الحساب ﴾ لا يشغله حساب عن حساب .

٢٬٩٩٦ / ٦٬٠٩٣