تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

55

الجزء ٧ · صفحة ٩

﴿ وَعَدَ الله ﴾ فى علمه وفى اللوح المحفوظ ﴿ الَّذين آمنُوا منْكُم ﴾ يا محمد وأصحابه فمروا بالكفار والمنافقين مواجهة وصريحاً ، ولا تخافوا مضرتهم ، فإنها لا تحصل البتة او لا تفيدهم شيئاً ، فغن الوعد باستخلاف وعد بالإحياء والنصر ، وذلك أيضاً امتنان ووسط منكم بين آمنوا وبين قوله : ﴿ وعَملُوا الصالحات ﴾ ولم يؤخره كما أخره فى قوله : ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ﴾ لتعجيل ذكر مسرة المؤمنين ، فان الآية سيقت لذلك ، وأيضاً الايمان هو الأصل الذى ينبنى عليه الاستخلاف ، وهو مستلحق للعمل الصالح إذا تحقق .

ولا شك أن المراد الايمان المحقق ، فالعمل الصالح فرعه فأخره ، فان فسق الامام وأمر بعد الاستتابة عزل ، وإن عاند قتل ، كما ورد فى الحديث ، قال أبى بن كعب : لما قدم رسول الله A المدينة والمهاجرون ، رمتهم العرب عن قوس واحد ، والتزموا السلاح ليلاً ونهاراً خوفاً من العرب ، وقالوا هل نعيش حتى نبيت آمنين ، فنزل قوله تعالى : ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ﴾ .

﴿ ليسْتخلفَنَّهم فى الأرض ﴾ الى قوله : ﴿ الفاسقون ﴾ وقيل : الخطاب فى منكم للمنافقين المقسمين جهد أيمانهم ، مقرر لقوله : ﴿ وإن تطيعوه وتهتدوا ﴾ ويرده أنه ما مضى منهم إيمان محقق ، ولا استقبلنولا قال وعد الله الذين آمنوا منكم إن كان منكم من آمن أو يؤمن ، وزعم بعض ان الخطاب لكل من آمن فى أى مكان ، وفى أى زمان فى زمان الرسول وبعده ، والجملة جواب القسم ، وهو وعد الله ، لأنه عزيمة وتحقيق ، فهو بمزلة : الله ليستخلفنَّهم ، وبمنزلة أقسم بالله ليستخلفنَّهم ، وقيل التقدير وعد الله الذين آمنوا الخ أن يستخلفهم ، وأقسم ليستخفنَّهم فى الأرض ، وهى مشارق الأرض مغاربها ، لقوله A : « زويت لى الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها » .

﴿ كما ستخْلفَ ﴾ استخلافاً ثاباً كاستخلافه ﴿ الَّذين من قبلهم ﴾ كبنى اسرائيل ، ملكوا الشام بعد هلاك فرعون ، والقبط قيل ومصر ، على أنهم رجعو إليها أو ملكوها ، وهم فى الشام ، وكالمؤمنين بعد هلاك عاد ، وبعد هلاك ثمود ، وهلاك قوم لوط .

﴿ وليمكنَنَّ لهُم دينهم الَّذى ارتضى لَهُم ﴾ وهو دين الاسلام ، اختاره لهم ، وأنعم عليهم به ، يثبته لهم ، ويجعله لهم كمكان لساكنه ، فإن أصل التمكين جعل الشىء مكاناً لشىء ، أو جعل الشىء فى مكان ، وقد جعلهم الله فى الاسلام كإسكان الرجل أهله فى دار ﴿ وليبدلنَّهُم من بعد خَوْفهم ﴾ من أعدائهم خوفاً مطبوعاً فى البشر ، ولو كانوا مؤمنين موقتين ﴿ أمناً ﴾ عظيماً فى الدنيا ، يزول معه الخوف من أعدائهم البتة ، يورثهم الأرض ، ويجعلهم فيها خلفاء ، كما أورث بنى إسرائيل مصر والشام .

٣٬٠٠٩ / ٦٬٠٩٣