التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة التغابن

الجزء ٤ · صفحة ٢٧٧

يسبِّح لله ما في السماوات وما في الأرض} بدلالتها على كمال قدرته واستغنائه، ﴿له الْمُلْكُ وله الحمدُ وهو على كُلِّ شيء قدير (1)﴾ لأنَّ نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكلِّ على سواء؛ ثمَّ شرع فيما ادَّعاه فقال: ﴿هو الذي خَلَقكم فمنكم كافرٌ﴾ مقدَّر كفره، ناهٍ عمَّا يحمله عليه، ﴿ومنكم مؤمن﴾ مقدَّر إيمانه، آمر بما يدعوه اليه، ﴿والله بما تعملون بصير (2)﴾ فيعاملكم حسب أعمالكم.

﴿خَلَقَ السماواتِ والأرضَ بِالْحَقِّ﴾ بالحكمة البالغة، ﴿وصوَّركم فَأَحسَنَ صُوَرَكم﴾ فصوَّركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة؛ ثمَّ زيَّنكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصَّكم بخلاصة خصائص المبدَعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات، لتكونوا من خير البريَّات، ﴿وإليه المصير (3)﴾ فأحسنوا سرائركم حتَّى لا يَمسخ بالعذاب ظواهركم.

﴿يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرُّون وما تُعلنون والله عليم بذات الصدور (4)﴾ فلا يخفى عليه ما يصحُّ أن يُعلم، كلِّيًّا كان أو جزئيًّا، لأنَّ نسبة المقتضي لِعلمه إِلىَ الكلِّ واحدة؛ وتقديم تقدير (1) القدرة عَلَى العلم، لأنَّ دلالة المخلوقات عَلَى قدرته أوَّلاً بالذات، وَعَلَى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص.

﴿ألم يأتكم نَبَأُ الذين كفروا من قبلُ فذاقوا وبالَ أمرِهِم﴾ ضرر كفرهم في الدنيا؛ وأصله: الثقل، ومنه الوبيل لطعام يثقل عَلَى المعدة، والوابل: للمطر الثقيل القطار، ﴿ولهم عذاب أليم (5)﴾ في الآخرة. ﴿ذلك﴾ أي: المذكور من العذاب والوبال، ﴿بأنَّه كانت تَّأتيهم رسُلُهم بالبيِّنات فقالوا: أبشرٌ يهدوننا﴾ أنكروا وتعجَّبوا أن يكون الرسول بشرًا، ﴿فكفروا وتَوَلَّوا﴾ عن النذير بالبيِّنات، ﴿واستغنَى اللهُ﴾ عن كُلِّ شيء، فضلاً عن طاعتهم، ﴿والله غنيٌّ﴾ عن عبادتهم وغيرها، ﴿حميد (6)﴾ يدلُّ عَلَى حمده كُلُّ مخلوق.

{

(1) - … فيِ تفسير البيضاوي: «تقرير»، وَهُوَ أصوب. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص205.

١٬٤٣٩ / ١٬٥٨٨