التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الجن

الجزء ٤ · صفحة ٣١٧

وأنَّا مِنَّا الصالحون ومنَّا دونَ ذَلِكَ كُنَّا طرائقَ قِدَدا (11)} متفرِّقة مختلفة جمع قِدَّة (1)، من قَدَّ إذا قطع.

﴿وأنَّا ظَنَنَّا﴾ علمنا ﴿أن لَّن نُّعْجِزَ الله فيِ الأَرْض﴾ أينما كُنَّا فِيهَا، ﴿ولن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12)﴾ إن أَرَادَ بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا.

﴿وأنَّا لَمَّا سمعنا الهُدَى﴾ أي: القرآن، ﴿آمنَّا بِهِ﴾ فهذا يدلُّ عَلَى إيمانهم بِهِ، وَهُم المستمعون لَهُ. ﴿فمن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فلا يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا (13)﴾ نقصا فيِ الجزاء وَلاَ أن ترهقه ذلَّة.

﴿وأنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومنَّا القاسطون﴾ الجائرون عَن طريق الحَقِّ، وَهُوَ الإيمان والطاعة، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)﴾ توخَّوا رشدا عظيما يبلغهم إِلىَ دار الثواب. ﴿وأما القاسطون فكَانُوا لِجهنَّم حَطَبا (15)﴾ توقد بهم، كما توقد بكفَّار الإنس.

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَاموا﴾ أي: وأنَّ الشأن لو استقام الإنس، أو الجنُّ، أو كلاهما ﴿عَلَى الطريقة﴾ المثلى، ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)﴾ لوسَّعنا عَلَيْهِمُ الرزق، وتخصيص الماء الغدق ـ وَهُوَ الكثير ـ بالذكر لأَنَّهُ أصل المعاش والسعة؛ وكأنَّ الآية تدلُّ عَلَى أنَّ الجنَّ أهل حرث إن كَانَت الآية فيِ سياق ذكرهم. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنختبرهم كيف يشكرونه، ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَن ذكر رَبِّهِ﴾ عَن عبادته، أو موعظته، أو وحيه، ﴿يَسْلُكْهُ﴾ يُدخله ﴿عذابا صَعَدًا (17)﴾ شاقًّا يعلو المعذَّب ويغلبه، وَلَعلَّهُ أردا بِهِ عذاب الدُّنْيَا والآخِرَة.

{

(1) - … «والقِدَّةُ: القطعة من الشَّيْء. والقِدَّة: الفرقة والطريقة من النَّاس مشتقٌّ من ذَلِكَ إذا كان هوَى كُلِّ واحدٍ عَلَى حدة». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص28، مَادَّة «قدد».

١٬٤٧٩ / ١٬٥٨٨