90
الجزء ٥ · صفحة ١٥٣﴿ وَالْبَغْىِ ﴾ تطاول الإنسان بما ليس على غيره فى بدنه أو ماله أو عرضه ، خصه بالضكر لمزيد عظمه .
﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ بالأمر والنهى المذكورين ، والجملة مستأنفة لتعم ، ولو جعلت حالا من فاعل بأمر أو من فاعل بنهى لكان قيدًا له فقط ، ولا وجه لكونه حالا من فاعلها لاختلاف عاملها ، ولا حاجة إِلى تقدير مثله لأحدهما .
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ تتعظون ، قال ابن الأثير فى المستدرك : هذه أجمع آية فى القرآن للخير والشر ، قال الحسن البصرى : أمرت بكل خير ، ونهت عن كل شر ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : إنه قال عثمان بن مظعون رضى الله عنه : ما أسلمت أولا إلا حياء من رسول الله A ، ولم يتقرر الإيمان فى قلبى ، فحضرته ذات يوم ، فبينما هو يحدثنى إذ رأيت بصره شخص الى السماء ، ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك ، فسألته فقال : « بينا أحدثك إذ جبريل نزل عن يمينى فقال : إن الله يأمر بالعدل » إلخ فوقع الإيمان فى قلبى ، وقال : إن فى هذه الآية لحلاوة ، وإن فى القرآن لطلاوة ، وإن أعلاه لثمر ، وأسفله لغدق بغين معجمة ودال مهملة أى كثير الماء أسفله ، وما هو بكلام البشر ، بل هو كلام خالق القوى والقدر .
وكان بنو أمية يلعنون عليًّا فى المنابر ، ولم تولى عمر بن عبد العزيز قطع ذلك فى كل بلد ، وجعل مكانه : ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ الآية ، فكان له على ذلك مدح عظيم ، وقبول وهو حق ، لأن اعتياد الشتم والإكثار منه ليس عبادة ، ولا سيما ما كان انتقامًا وجهالة وبغيًا على المتقدم بالخلافة ، وإنما أتمنى قطع ذلك ولو كن تورية ، إذ كان مؤذن المالكية يقول : شتما لأصحابنا بتعريض وتورية بهم ليلة كل جمعة ، من أبغض معاوية فأمه هاوية ، مع أن عليا ومعاوية متباغضان ، ويقول : من أبغض عليًّا فخصمه النبى ، وكل من معاوية وعثمان أبغضا عليًّا وأبغضهما على ، ويقول : من أبغض عثمان فأمه النيران ، وعلىّ يبغضه .
بلغ أكثم بن صيفى أمره A فأرسل إليه رجلين فقالا له : مَن أنت وما جئت به ، قال A : « أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله » ، وتلا : إن الله يأمر بالعدل إلخ قال : ردِّد علينا ، فردده حتى حفظناه ، فأخبرا به أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن مذامها ، فكونا فى هذا الأمر رأسا لا أذناباً ، رواه أبو نعيم ، عن عبد الملك بن عمير ، وفعل الأمر ، ولام الأمر ، واسم فعل الأمر والمصدر النائب عنه الأصل فيهن الوجوب .
وأما لفظ أمر ، ويأمر ومر والأمر ، موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب ، ولو لم يكن فى القرآن إِلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل الله نبه على هذا بإيرادها عقب قوله :