تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

61

الجزء ٧ · صفحة ١٧

وقال : « أنت ومالك لأبيك » وقيل : من بيوكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين فى بيوتكم ، وقيل : ما ملكتم مفاتحه عبيدكم عبر عنهم بما تشبيها بالجماد ، أو بالحيوانات والمفاتح جمع مفتح بدون ألف وقيل : مفتاح بالألف ، حذفت فى الجمع ياء .

﴿ أو صديقكم ﴾ أى أو صديق يؤكل واحد منكم ، ممن له صديق ، وقيل : يقع على الجماعة كما يقع على المفرد والاثنين ، لأنه بوزن مصدر السير والصوت ، وعلى كل حال لم يقل أصدقائكم اشارة الى قلة الصديق حتى قيل :

صاد الصديق وكاف الكيمياء معا … لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا

والى ان الاثنينية مرتفعة كأنهما واحد فى الأكل وهو أرضى بالتبسط من ذوى القرابة ، وهو من يصدق فى مودتك وتصدق فى مودته ، أو ولو لم تصدق أنت ، وقد استغاث الناريون بالصديق لا بالولد ، أو بالوالد فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم ، وقد جعله الله D مع النفس والأخ والأب ، قال أفلاطون : لا أحب أخى الشقيق إلا إذا كان صديقى ، وصديقى أحب الى من أخى .

والآية باقية على اطمئنان النفس من صاحب المال ، كما فعلت الصحابة بعده A ، يدخل دار صديقه باستئذان فيسأل جاريته عن كيسه فتعطيه فيأخذ ما شاء ، فإذا جاء وأخبرته أعتقها سروراً ، ودخل أصحاب الحسن داره باستئذان ، وأكلوا أطيب طعامه ، فدخل فاستنار وجهه فرحا فقال : هكذا وجدناهم يفعلون ، يعنى الصحابة ، فلا نسخ لحديث : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس » لأنا قد اشترطنا للآية الاطمئنان ، ويدرأ الحد عمن أكل من مال هؤلاء عندى ، لأنه يدخل جهراً بلا إذن ولا يبالى ، وإن كان فيه ساكن استأذن ، وليس ذلك سرقة وكأنه قيل : هل نفى الحرج فى الأكل من بيوت هؤلاء إذا كان مع أهل تلك البيوت أم مطلقا فنزل :

﴿ ليس عليكُم جناحٌ أن تأكُلُوا جَميعاً ﴾ مجتمعين ﴿ أو أشْتاتاً ﴾ جمع شتيت شذوذاُ ، أو جمع شت وهو الأصح مصدر بمعنى الوصف ، لا مبالغة إذ لا يوجد فوق الانفراد شىء يسمى شتيتاً يبالغ اليه ، وقيل الآية مستأنفة فى تشديدهم على انفسهم ان لا يأكلوا منفردين ، كان بنو ليث بن عمرو بن كنانة يمكث أحدهم يوماً ، او أكثر لا يأكل حتى يجد ضيفاً يأكل معه ، وقد وجد الطعام بين يديه من الغد ، والى الرواح ، وأكثر إبله جعل باللبن فلا يشرب حتى يمسى ، ولم يجد من يشرب معه فيشرب ، وكان الخليل عليه السلام لا يأكل حتى يمشى ميلا فى طلب من يأكل معه اتخذه خليلاً لذلك فى قول .

وأما قوله A : « شر الناس من أكل وحده ، وضرب عبده ومنع رفده » ففى ذم البخل ، وكان قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لم يأكلوا إلا معه ، ويدخل الغنى على الفقير يأكل فيدعوه للأكل ، فيقول لا أزاحمك فى طعامك وأنا غنى ، وإذا حضر الأعمى الأكل عزلوا له سمهمه لئلا يأكلوا أكثر منه ، أو الجود دونه ، وكانوا يأكلون فرادى أيضاً خوفاً أن يأكلوا أكثر من صاحبه ، أو أن يحصل من احدهم ما ينفر الآخر مثل الزكام والحكة ، فنزلت الآية نهيا عن ذلك .

٣٬٠١٧ / ٦٬٠٩٣