التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الملك

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٢

أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطيرِ فوقَهم صافَّاتٍ} باسطات أجنحتهنَّ في الجوِّ عند طيرانها، فإنَّهنَّ إذا بسطنها صففن قوائمها، ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ [619] أي: يضممنَها إذا ضربن بها جنوبهنَّ وقتا بعد وقت، للاستظهار به على التحوُّل، ﴿ما يُمسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ خلاف الطبع، ﴿إِلاَّ الرحمنُ﴾ الشاملة رحمته كُلَّ شيء، فإنَّه خَلَقَهُنَّ على أشكال وخصائص، هيَّأهنَّ للجري في الهواء (1)، ونفى سبحانه إمساك غيره لهنَّ، لَمَّا كان هو المقدر لهنَّ على الإمساك، لا نفسهنَّ، ﴿إنَّه بِكُلِّ شيء بصير (19)﴾ يعلم كيف يخلق الغرائب، ويدبِّر العجائب، وذلك من آيات الله العظام لمن اعتبر بها.

﴿أمَّن هذا الذي هو جُندٌ لكم ينصرُكُم مِّن دونِ الرحمنِ﴾ عديل قوله: ﴿أو لم يروا﴾، على معنى: أولم تنظروا في أمثال هذه الصنائع فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب (2)؛ أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه، فهو كقوله: ﴿أم لهم آلهة تمنعهم مِّن دُونِنَا﴾ (3) إِلاَّ أنَّه أُخرج مخرج الاستفهام، عن تعيين من ينصرهم، إشعارا بأنَّهم اعتقدوا هذا القسم، ﴿إِنِ الكافرونَ﴾ بأيِّ كفر كان، ﴿إلاَّ في غُرُورٍ (20)﴾ لظواهر الأمور، ليسوا على شيء من حقائق أمر الدنيا والعقبى؛ وأصل الغرور: هو الخدعة.

﴿أمَّن هذا الذي يرزُقكم﴾ أي: من يرزقكم، ﴿إن أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ بإمساك المطر، وسائر الأسباب المحصِّلة له إليكم، ﴿بل لَّجُّوا﴾ تمادَوا ﴿في عُتُوٍّ﴾ عناد، ﴿ونُفُورٍ (21)﴾ شراد عن الحقِّ لتنفُّر طباعهم عنه.

{

(1) - … في الأصل: «للجوى في الهوى»، ولا مَعْنَى له. وصحَّحناه من المصدر نفسه.

(2) - … في الأصل: «صاحب»، وَهُوَ خطأ. وصحَّحناه من المصدر نفسه.

(3) - … سورة الأنبياء: 43.

١٬٤٥٤ / ١٬٥٨٨