26
الجزء ١ · صفحة ١٩٤﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِى ﴾ : لما نزلت تشبيه حال المنافقين المستوقدين ، وأصحاب الصيب ، وتشبيه عبادة الأصنام فى الوهن والضعف ببيت العنكبوت ، وجعلها أقل من الذباب وأخس قدراً منه . قالت اليهود والمنافقون من نحا نحوهم من كفار قريش : الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال ، ويذكر الذباب والعنكبوت ، فنزلت الآية . ومن علم من اليهود أن ضرب المثل بذلك ونحوه حق ، وأنه أظهر فى الأفهام ، وأن مثله فى التوراة ، لإنما قيل ذلك عنادا . روى أن اليهود قلت : ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ وعن الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت فى كتابه ، وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، فنزلت الآية . وقيل : قال المشركون إنه إنا لا نعبد إلهاً يذكر هذه الأشياء . وكل من ذلك يصدق عليه قوله تعالى : ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾ ؟ لأن هذا استفهام إنكار ، أنكروا : أن يريد الله تمثيلا بذلك ، وليسوا منكرين أن الله موجود ، ولا مقريب أن الله نزله ، ولكن كنوا بذلك عن تكذيبه - A - فى قوله إن ذلك من الله عز وعلا كأنهم قالوا لو كان ما تتلوا علينا من الله ، لما كان فيه ذكر تلك الأشياء . وكذلك أنكروا أن يذكر الله النحلة والنملة . والاستحياء استفعال من الحياء ، ولاحياء فى شأن المخلقو انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم ، وهو بين الوقاحة التى هى الجراءة على القبائح وعدم المبالاة ، وبين الخجل الذى هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً ، وهو مأخوذ من الحياة ، فإن الإنسان إذا كان فيه حياء شبيه بمن ضعفت حياته ، لأن الحياء انكسار يعترى القوة الحوانية ، فردها عن أفعالها ، كما قيل نسى : أى اعتل عرق النساء فيه ، وحشى أى اعتل بطنه . فكذلك يقال : حيى ، أى ضعفت قوة حياته ، والسين والتاء والهمزة ، مبالغة وهى راجعة إلى النفى أى انتفا انتفاء بليغاً عن الله أن يوصف بالحياء عن ضرب المثل بنحو البعوضة ، والحياء فى حل الله هو ترك الشئ إطلاقاً للملزوم على اللازم ، فإنه يلزم من حياء المخلوق من فعل الشئ أن يتركه ، وقد استعمل كذلك إطلاقاً على لازمه فى قول المتنبى أبى الطيب من قصيدة بمدح بها أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد يصف نوقا :
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه … كرعن بسبت فى إناء من الورد
والنون فى استحين للنوق يقال استحيت بياء واستحييت بياءين ، وقد قرأ ابن كثير فى رواية شبل : يستحى بياء واحدة ساكنة سكوناً ميتاً بعد الحاء المكسورة ، والاسم مستح كمهتد بحذف الياء . ومن قال يستحيى بياءين قال فى الاسم مستحى كمهتدى أيضاً بحذف الثانية ، والمعنى : إذا ما تركن ورد الماء ، ويعرض نفسه حال من الماء ، وكرعن جواب إذا ، والكرع الشرب بالفم من محل الماء ، أو يعرض جواب إذا وكرعن ، بدل يعرض ، أى كرعن فيه ، وهو بدل اشتمال ، فإن إعراضه نفسه متضمن لأن يكرعن فيه ، والسبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ ، وإناء الورد موضع ماء المطر المحفوف بالأزهار ، شبه بإناء الورد ، كما شبه مشافر الإبل بالجلد المذكور ، فإطلاق لفظ الملزوم على اللازم مجاز مرسل .