هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

38

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ : لبس هذا تأكيداً للهبوط السابق فى قوله : ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا ﴾ لأن الهبوط الأول مقيد بحال عداوة بعضهم لبعض ، والكون فى الأرض إلى حين . والثانى مقيد بتفريع اتباع الهدى ، وعدم اتباعه ، فالهبوط ولو كان واحداً لكن تعددت صفته ، وهم ينزلون تغاير الصفات منزلة تغاير الذات ، فلم يكن المذكور ثانياً مع القول المذكور معه تأكيداً للهبوط والقول المذكورين أولا فلا وجه لكون ذلك من باب التأكيد ، ولو صححه بعضهم ، اللهم إلا أن نجعل قوله : ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ غير مفرع على ﴿ اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ بل على ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ وعلى ﴿ ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ أو مستأن ، وهذا ضعيف ، والتحقيق ما ذكرته لك من التأسيس للتغاير بالصفة ولأن فى ذكر الإهباط مرتين ، وحكايته ما ليس فى ذكر الإهباط وحكايته مرة ، لأن فى ذكرهما مرتين تلويحاً غلى أن مخافة الإهباط المقرون بعداوة بعض لبعض وحدها ، أو مخافة الإهباط المقرون بلزوم التكليف باتابع الهدى وحدها ، تكفى العاقل الذى يعرف صلاح نفسه ، ويضبط أمره فى الردع ، عما يوجب أحد الإهباطين ، وهو معصية الله - تعالى - فكيف المخافتان معاً؟ وإن كل واحد يكفى مزيد الاتعاظ نكالا ، وقيل الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثانى من السماء إلى الأرض ، ويضعفه عدم استقامة المعنى ، مع جعل الاستقرار والتمتع إلى حين قيدا من الهبوط الأول ، لكن لا مانع من كونه قيداً له ، بواسطة الإهباط الثانى ، كأنه قيل : اهبطوا هبطة يترتب عليها بعد هبطة ثانية استقرار فى الأرض وتمتع إلى حين . وجميعاً حال مؤكدة لصاحبها ، وهو واو اهبطوا ، كأنه قيل : اهبطوا منها كلكم ، وليس معنى كون جميعاً حالا ، أن زمان هبوطهم واحد ، بل اتصاف كل بالهبوط مطلقاً ، فإن لفظة جميعا لا تدل على اتحاد الزمان ، فكما لم تدل عليه فى جاءوا كلهم أجمعون لا تدل عليه فى ذلك . وليس كما قيل إنها تدل عليه فى جاءوا جميعاً . وإذا ورد مثله متحد الزمان ، فالدال على الاتحاد المشاهدة أو غيرها لا لفظ جميع ، وإنما الدال عليه لفظة مع ومعا ، والخطاب فى قوله : ﴿ اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ لمن خوطب بقوله : ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ وإن قلت : فهل قوله : ﴿ فَإِمَّا يَأْتَيْنَّكُم ﴾ دليل على عدم دخول عدو الله فى الخطاب؟ قلت : نعم ، لأنه ولو كان مكلفاً لكنه قد خوطب أولا بالسجود فكفر ، فكان علينا مبعدا عن أن يوجه إليه كلام فى كتب الله مصرحاً له بأنه جهنمى منظور إلى قيام الساعة ، وهو مع ذلك معاقب بالفروع والأصول ، لكنه كمشرك للإسلام فأبى ، أو كمرتد استتيب فأصر ، فإنه لم يبق له بعد ذلك خطاب ، بل القتل فقط ، فليس الأمر كما قيل من أن كونه مخاطباً بالإيمان ، يدل على أن الهدى يتيه فيدخل فى قوله : ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدىً ﴾ .

٢٧٠ / ٧٬٦٨٠