هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

32

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ : نزهناك تنزيهاً عن الاعتراض عليك ، وإنما سؤالنا تعجب وطلب لبيان الحكمة لا اعتراض . وقد علم الله ذلك . وعن أن تفعل غير الحكمة ، وعن أن يعلم أحد لم تعلمه . كما يدل عليه ما بعد ، وهو اسم مصدر ، لأن الفعل سبح بالتشديد ، كما قالوا نسبح ، فالمصدر التسبيح ، وهذا أولى من أن يقال : هو مصدر سبح الثلاثى بمعنى النزيه ، لأن سبح بالتخفيف بمعنى التنزيه قليل . وسبحان كثير ينطق به ويشدد ولا يخفف . فالجمهور على أنه اسم مصدر ، وهو لازم للإضافة على جنس التسبيح . وشد عدم إضافته ، وإذا لم يضف كان أياً غير منون ، لأنه علم زيدت فيه ألف ونون فى آخره . ومن عدمها قول الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ، ويذم علقمة بن علاسة :

قد قلت لما جاءنى فخره … سبحانه من علقمة الفاخر

والهاء فى فخره عائد إلى عامر بن الطفيل ، ومن علقمة : جار ومجرور متعلق بسبحان منه أى عجباً منه إذ يفخر . قال فى الصحاح بعد أن ساق هذا البيت : الرب تقول سبحان الله من كذا إذا تعجبت منه . وعلقمة هذا صحابى قدم على رسول الله - A - وهو شيخ فأسلم وبايع ، واستعمله عمر بن الخطاب على حوران بها . وإنما ذمه الأعشى لأن الأعشى لم يسلم ، أو أسلم وذمه عصياناً كما يعصى الموحد ، أسلم وذم . أو أسلم وذم علقمة قبل إسلامه ، أعنى قبل إسلام علقمة . وقد قيل إن الأعشى قدم مكة ليأتى المدينة فيسلم ويبايع ، فصده أهل مكة بأنه يحرم الزنى فقال : لا حاجة لى فيه . فقالوا : إنه يحرم الخمر ، فقال : أتروى منها عامى ، ثم أجبنه ، فمات قبل . ولكن أشعاره نص فى إسلامه إذ قال :

نبى يرى ما لا ترون وذكره … أغار لعمى فى البلاد وأنجدا

ونحو ذلك من أبيات حسنة ، ساقها الثعالبى فى كتاب السيرة ، وألفه يحذف فى الخط ويقرأ ، ويجوز أن تكتب كسائر الأعلام الرباعية فصاعدا كصالح وسليمان فى جواز الوجهين ، وتحذف فى خط المصاحف ، وإنما صدر الملائكة الكلام : سبحانك ، اعتذارا عن طلبهم التفسير وعن الجهل بحقيقة الحال ، ولكونهم صدروا به كلام توبتهم ، كما صدر به موسى توبته إذ قال : ﴿ سبحانك إنى تبت إليك ﴾ ويونس إذ قال : ﴿ سبحانك إنى كنت من الظالمين ﴾ ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أى لا معلوم لنا إلا ما علمتنا ، فالعلم بمعنى المعلوم ، وما : اسم ، إبقاه على المصدرية ، فتجعل ما : اسماً أيضاً على حذف مضاف ، ألى لا علم إلا ما علمتناه ، وذلك منهم مراعاة للذنب بتفويض العلم كله إليه ، واعتراف بالعجز عن أن ينبئوه بأسماء هؤلاء ، واعتراف بأنه قد ظهر لهم ما خفى عليهم من فضل الإنسان ، والحكمة فى استخلافه ، وإظهار لشكر نعمته التى هى تلعيمه إياهم ما قد علمهم إياه ، وهى أيضا كشف ما خفى عليهم من فضل الأنسان والحكمة فى خلقه .

٢٣٦ / ٧٬٦٨٠