50
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا ﴾ : وقرئ بتشديد الراء للمبالغة والتكثير ، فإنهُ كان التفريق تفريقاً بيناً مستقيماً كان الماء به كالحيطان ، وكان لكثير وهو اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق .
﴿ بِكُمُ ﴾ : هاربين من عدوكم ، والباء هى باء الآلة بمعنى أنه فرق البحر بسلوكهم ، ما زالوا يمشون وما زال ينفلق قدامهم حتى نفذوه كما يفرق الشىء بالموسى أو بالعصا ، إلا أن الموسى يباشر ما يراد تفريقه ، وكذا العصا ، وقد لا تباشران مثل أن يقصد شجاع جماعة بموسى فيفترقون إلى الجانبين ، فعصا موسى آلة معهم لا آلة مستقلة ، وباء السببية أى بسبب إرادة إنجائكم أو للمعية متعلقة بفرقنا ، أو بمحذوف حال من البحر كأنه قال : وإذ فرقنا البحر حال كونه ملتبساً بكم ، كقول المتنبى :
كأن خيولنا كانت قديما … تسقى فى قحوفهم الحليبا
فمرت غير نافرة عليهم … تدوس بنا الجماجم والتريبا
القحف عظم الدماغ أى كأنها ألفتهم بأن كانت ( تسقى ) الحليب فى عظام دماغهم فمرت على رءوسهم وصدورهم غير نافزة .
﴿ البَحْرَ ﴾ : بحر القلزم فرقة عرضاً وقيل مقدار من الطول ، فيكون كل طريق على هذا إلى جهة البحر أطول مما يليه إلى جهة البر ، والمشهور الأول . واختار بعضهم الثانى ، وقال إن ذلك الفرق يقرب موضع النجاة ، ولا يلحق فى البر فى أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة .
﴿ فَأنجَيْنَاكُمْ ﴾ : من فرعون وآله وقد تبعوكم ، أو من الغرق .
﴿ وأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ ﴾ : حذف العاطف والمعطوف أى آل فرعون وفرعون ، أو آل فرعون وإياه ، وأجيز تقديم المعطوف عليه والعاطف ، أى وأغرقنا فرعون وآل فرعون ، وأجيز الوجهان فى قولهم : راكب الناقة طليحان ، أى راكب الناقة والناقة متعبان ، أو راكب الناقة وهى متعبان ، أو الناقة وراكب الناقة متعبان ، وإنما اقتصر فى الذكر على آل فرعون ، لأن فرعون أولى بالإغراق ، وقيل آل فرعون بمعنى شخص فرعون كما ورد فى الحديث : « أوتى مزماراً من مزامير آل داود » فإن المراد داود نفسه ، وكان الحسن يقول : اللهم صلى على آل محمد ، أى على شخص محمد فاستغنى فى ذلك بذكر المتبوع عن ذكر أتباعه ، أى شخص فرعون وقومه أو قوم فرعون وشخص فرعون .
﴿ وَأَنْتُم تَنْظُرُونَ ﴾ : ما ذكر من إنجائكم وإغراق آل فرعون لا تشكون ، والجملة حال أو تنظرون إطباق البحر عليهم ، أو فرق البحر طرقا يابسة مذللة أو طرق البحر أو أجسام آل فرعون ولباسهم التى طفت على الماء وقذفها البحر إلى الساحل ، أو ينظر بعضكم بعضاً ، أو تنظرون إلى هلاكهم أو مصرعهم أو إلى الطرق أو أجسامهم ولباسهم ، وقيل تنظرون ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا فى شغل ، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى أن يسرى ببنى إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلى والمتاع من المصريين وأحل الله ذلك لبنى إسرائيل .