هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

18

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

﴿ صُمُّ ﴾ : عن الهدى فلا يسمعونه سماع قبول ، فإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه ، فإذا لم يسمعوه فكأنهم لا يسمعون شيئاً أصلا ، إذ لا عبرة بسماع الأشياء مع عدم سماع الهدى ، ولك أن تقول : الآية إخبار عن كونهم صما عن كل شئ الهدى وسائر المباحات ، كما يدل عليه الإطلاق ، إذ كان سمعهم لا ينفعهم لعدم الاهتداء وهو جميع أصلم ، والأصم من لا يسمع ، وسببه أن يكون باكن خرق الأذن مجتمعاً لا تجويف فيه يشمل على هواء يسمع الصوت بتموجه فيه ، وأصله الصم الذى هو صلابة من اجتماع الأجزاء وتصامها وكثافتها ، ومنه حجر أصم وصخرة صماء وصمام القارورة وهو سدادها .

﴿ بُكْمٌ ﴾ : عن الهدى لا ينطقون به ، وإذا نطقوا به فنطق لا يطابقه اعتقادهم ، فإذا كانت هذه حالهم فكأنهم بكم فى كل شئ لا يطيقون النطق بشئ ما ، إذ لا عبرة بنطق بالأشياء مع عدم النطق بالهدى ، النطق بالمطابقة للاعتقاد ، والمراد أنهم بكم عن كل كلام إذ كان نطقهم لا يكون نطقاً موافقاً له الاعتقاد ، فهو لا ينفعهم فكأنهم لا ينطقون أصلا وهو جمع أبكم وهو من لا ينطق ، ويقال له أيضاً أخرس ، وقيل : من لا ينطق ولا يفهم أبكم وهو الذى ولد أخرس ، ومن لا ينطق ولكنه يفهم أخرس ، وهو الذى يسمع فكان يفهم ثم كان لا يسمع .

﴿ عُمْىٌ ﴾ : عن طريق الهدى فلا يبصرونه ، وإذا ادعوا إبصاره ودخوله والعمل به فخداع لا تحقيق ، فإذا لم يبصروه تحقيقاً فكأنهم لم يبصروه ، فكأنهم لا يبصرون بعيون وجوههم ، إذ لا عبرة بالنظر بالعين مع عدم الاستدلال بها ، أو المراد أنهم عمى عن نظر الأشياء رأساً من حيث الإطلاق ، وهو جمع أعمى ، والعمى عدم البصر كما من شأنه أن يبصر فلا يقال لغير الحيوانات أعمى ، ولما لما لا عين له منها ، فمن خلق بلا عينين لا يقال له أعمى لأنه ليس من شأنه أن ينظر بلا عين ، وكذا من خلق بعين واحدة لا يقال لموضع عينه الأخرى أعمى ، ويطلق العمى أيضً على عدم نور القلب ، فمن لا نور فى قلبه يميز به الحق فلا فائدة فى نظر عينيه ، لما لم يستعملوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم فيما خلقت له من الهدى ، سموا بأسماء من لا سمع ولا نطق ولا بصر لهم إذ لام ينتفعوا بها ، فكانت كالعدم فهم كمن إيقت حاسته ، بكسر الهمزة وإسكان الياء ، كبيعت أى أصيبت بآفة .

قال الشاعر :

ما بال قوم صديق ثم ليس لهم … عهد وليس لهم دين إذا أنمنواp>> صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به

وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا … أى إذا مسعوا خيراً ذكرت به صاروا كمن لا يسمع فلا ينطقون به ولا ينشرونه ، وإن ذكرت بسوء كانت لهم آذان السمع فيعونه وينشرونه أو من أذنت للشئ إذا أصغيت إليه .

١٣٦ / ٧٬٦٨٠