هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

27

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

﴿ الَّذِين يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ : الذين نعت الفاسقين نعت ذم . ذمهم وشنع عليه بترك العهد الذى استوثق الله - D - عليهم به ، وهو العهد المأخوذ بالتعقل ، وهو ما ركز فى عقولهم من الحجة على التوحيد ، لما خلق الله فى عقولهم ما يدركون به التوحيد ، لو استعملوا عقولهم صار بمنزلة ما أدركوه ، واستوثق الله عليهم ألا يتركوه ، وأعنى بالتوحيد : التوحيد الكامل ، وهو التصديق بالله ورسوله وما جاء به من القرآن والوحى ، وقد فسر بعضهم قوله تعالى : ﴿ وأشهد على أنفسهم ﴾ بركز الحجة على الحجة على التوحيد فى عقولهم ، أو المراد بالعهد ما عهد إليهم فى التوارة والإنجيل ، ومن إيجاب التصديق بالرسل للمعجزات المقرونين بها ، وعدم كتمانهم .

ففى التوراة : وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم . وفى الإنجيل : سأنزل كتاباً فيه أبناء بنى إسرائيل وما أريته إياهم من الآيات ، وما أنعمت عليهم ، وما نقضوا من ميثاقهم الذى أوثقوا به ، وما ضيعوا من عهده إليهم ، وحسن صنعى بالذين قاموا بميثاق الله ، وأوفوا بهداى ونصرى إياهم ، وكيف أنزل بأسى ونقمتى بالذين غدروا ونقضوا . وحرف اليهود اسم النبى محمد A ، كما فعلوا باسم عيسى عليه السلام ، فذلك الذى ألزمهم الإيمان هو العهد إذا نعموا بقلوبهم وألسنتهم . بل اتضاح الحجة كانها عهد أقروا به إذ لم تبق شبهة تمنعهم من التصديق ، أو المراد عهد الله إليهم ألا يتظالموا ولا يتقاطعوا . . . وقيل العهود ثلاثة : عهد على ذرية آدم جميعاً . قال الله تعالى : ﴿ وإذا أخذ ربك . . ﴾ إلخ وعهد خص به النبيين أن يقيموا الرسال والدين ولا يتفرقوا فيه ، قال الله تعالى : ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ وعهد خص به العلماء قال الله تعالى : ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ﴾ ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتو الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ وقد فسر بعضهم العهد فى الآية بقوله تعالى : ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ وفسره بعض : بالعهد الذى ألزم الله اليهود فى التوراة أو يؤمنوا بمحمد - A - ويبينوا نعته وصفته . وبعض : بإبطال الكفار والمنافقين ما أبرم الله تعالى فى القرآن من الأحكام الشرعية . والعهد : التقدم فى الشئ والوصاية به ، والآية فى الكفار . قال عياض : كل عهد جائز بين المسلمين ، فنقضه لا يحل بهذه الآية . واعلم أن الله - D - شبه ترك العهد بنقض الحبل ، وهو فك طاقاته ، تشبيهاً غير مصرح بأداته ، وإنما علمناه من إضافة العهد إلى الله ، فاشتق من النقض المستعار من نقض طاقات الحبل ، لترك العهد ينقض ، بمعنى يترك . فالاستعارة فى ينقضون تبعية تصريحية تحقيقة والعهد قرينة ، وإن شئت فقل : شبه العهد بالحبل تشبيهاً غير مصرح به ولا بأداته ، وإنما نعلمه بإثباته للعهد ما هو حقيق بالحبل ومناسب له ، وهو النقض .

٢٠٥ / ٧٬٦٨٠