هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

15

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ : يزيدهم كما يقال مد الجيش وأمده إذا زاده ما يقوى به من ناس أو طعام أو سلاح ، وم الدواة وأمدها غذا زادها ما تصلح به من ماء أو مداد ، ومد السراج وأمده زاده زيتاً ، ومد الأرض وأمدها زادها سماداً أو خلطها به من قبل أن يكون فيها شئ منه ، وأمده الشطيان ومده فى الغى إذا زاد فى وسوسته ، كل ذلك الهمزة وتركها بمعنى واحد ، وأكثر ما يأتى مد بلا همزة فى الشر ، وأمد بهمزة فى الخير والمعنى يزيدهم .

﴿ فَى طُغْيَانِهِمْ ﴾ : ما يوقى به طغيانهم ، وليس من المدد الذى هو الزيادة فى العمر باللام ، يقال مد له فى عمره لا بالهمزة ، والذى فى الآية قد يقال فى الهمزة كما أقر ابن كثير وابن محيصن ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فَى طُغْيَانِهِمْ ﴾ بضم الياء وكسر الميم ، وقرأ نافع وإخوانهم يمدونهم بضم الياء وكسر الميم ، وهما فى القراءتين من أمد بالهمزة وهى لموافقة المجرد ، وإن قلت : إذا كان من الزيادة فأين مفعوله الآخر؟ قلت محذوف تقديره ما يقوى به طغيانهم ، وإن قلت كيف ساغ أن يقول زادهم الله ما يقوى به طغيانهم؟ قلت : معناه خذلهم ولم يلطق بهم . وهذه قاعده أصحابنا رحمهم الله فى التفسير ، وكذا الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية خلافاً للمعتزلة ، فإنهم لما تذعر عليهم إجراء الكلام على ظاهره كما تعذر علينا ، لأن الزيادة فى الطغيان تقوية للكفر بحسب ظاهر الكلام ، تأولوه بغير الوجه الذى تأولناه ، وهو أنه لما كان خذلانه إياهم ومنع الإلطاف عنهم سبباً فى كفرهم وإصرارهم ، وفى زيادة قلوبهم ريناً وظلمة ، كما كان توفيقه المؤمنين سبباً فى الإسلام وثباته ، وفى زيادة قلوبهم انشراحاً ونوراً ، أسند الزيادة فى الطغيان إلى نفسه ، إذ كان مسبب ذلك السبب ، بكسر الباء الأولى من مسبب .

والحاصل أنه لما كان تزايد طغيانهم مسبباً ، بفتح الباء الأولى ، خذلان لهم أسند الزيادة إلى نفسه ولا جبر هناك ، أو لما كان إغواء الشيطان إياهم إنما هو بإقدار الله - D - إياه عليه ، أسند الزيادة فى الطغيان إلى نفسه ، وعلى كل حال فإنما أضاف الطغيان إليهم ، ولم يأت به مجرداً عن الإضافة ، لئلا يتوهم أن إسناد الزيادة إلى الله تعالى على الحقيقة ، وإما أن يضاف الطغيان إلى الله ونحوه من الأفعال فحرام ، لأن ذلك مخلوق له لا فعل له ، إنما هو فعل الناس ، ويدل على أن إضافة الطغيان إليهم لما ذكر أنه لما أسند الإمداد إلى الشيطان فى سورة الأعراف لم يحتج الكلام إلى الإضافة إليهم ، إذ قال يمدونهم فى الغى ، ولم يقل فى غيهم ، وقال مجاهد : المعنى يملى لهم فى طغيانهم ، فأصل الكلام ويمد لهم حذفت اللام وانتصب محل الضمير على نزع الخافض ، لأنه على تفسير مجاهد من المد فى العمر ، والمد فيه يتعدى باللام كما مر ، وأغنى قوله : ﴿ فَى طُغْيَانِهِمْ ﴾ عن أن يقال فى أعمارهم ، لأن المد فى أعمار المخذولين بسبب الطغيان ، وإنما مد فى أعمارهم ليطيعوا وينتهوا ، وما ازدادوا إلا طغياناً ، توصلوا إلا الطغيان بما خلق وسيلة لهم إلى الشرك ، وعلى الأوجه المذكورة يتعلق فى طيغانهم بمد ويجوز تعليقه بقوله :

﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ : على وجه آخر وهو أن المعنى يمهل لهم فى أعمارهم أو يزيدهم نعماً ليؤمنوا ويشكروا ، وهم فى ذلك يعمهون فى طغيانهم ، وعلى كل وجه فيعمهون حال ، والطغيان ، بضم الطاء ، فى قراءة السبعة ، والجمهور ، وبكسرها فى قراءة زيد بن على لغتان كلغيان وغينان ، بضم أولهما وكسرة تجاوز الحد فى العصيان والغلو فى الكفر ، وأصله تجاوز الشئ عن مكانه ، وقوله سبحانه :

١٢٥ / ٧٬٦٨٠