هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

22

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ فِراشاً ﴾ : صفة ثانية لربكم أو منصوب بمحذوف أى امدح الذى ، أو خير لمحذوف أى هو الذى ، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا لله ، والرابط هو لفظ الجلالة ، وضعاً للظاهر وموضع المضمر ، وإنما ساغ ذلك الإخبار مع اختلاف زمان الجعل الأول ، والثانى مضياً واستقبالا ، لأن الأول باق أثره إلى زمان الثانى ، أو لأن القول مقدر فمقول فيه : لله أنداداً ، وعلى هذا الوجه يجوز نصبه على الاشتغال أرجح من الابتداء ، والجعل هنا بمعنى التصيير بالفعل ، وقد يكون تصييراً بالقول أو بالاعتقاد ، ويجوز كونه بمعنى الخلق وعليه : ففراشاً حال من الأرض مقدرة ، ومعنى جعلها فراشاً جعلها كالفراش فى التوسط بين الصلابة واللطافة ، وفى البسط ، حتى صارت مهيأة أن يناموا أو يقعدوا عليها كالفراش المبسوط ، فلو جعلها صلبة كالحجر لعسر النوم عليها والقعود ، ولو جعلها لطيفة كالماء لم يمكن النوم والقعود على سطحها ، ولا دليل فى كونها كالفراش على كونها غير كرية الشكل ، لأن الجسم الكبير يتراءى بسيطاً ولو كان كرياً ، فالبيضة على دورها تظهر بسيطة لما صغر جداً كالقملة ، وتتبين كرية الشكل وبسيطة بالرؤية والحس .

﴿ وَالسَّمَآءَ بِنَآءً ﴾ : معطوفان على قوله الأرض فراشاً عطف معمولين على معمول واحد ، وكأنهما جملة اسمية معطوفة على الأخرى غير أنهما تسلطا عليهما معنى الجعل واكتسى لفظهما بالإعراب الذى اقتضاه ، ولذلك كان عاطفهما وعاطف ما أشبههما حرفاً واحداً أصلهما هنا مبتدأ وخبر والمبتدأ والخبر جملة يعطفها حرف واحد ، وليس كل معمولين معطوفين كذلك ، فإذا لم يكونا كذلك كما إذا جعلنا الثانى حالا ، وكقولك ضرب زيد عمراً وبكر خالداً ، فلما ساغ العطف بواحد لأنه فى التحقيق داخل على العامل أى وجعل السماء بناء ، وضرب بكر خالداً ، والسماء اسم للسماء الواحدة لا يدل على اثنين فصاعداً ، إلا من جهة أل إذا قصدت الدالالة بها على ذلك ، فهو اسم جنس يقع على الواحدة وما فوقها من جهة أل كالدينار والدرهم ، وقيل هو جمع سماءة ، والبناء اسم لما بنى بيتاً أو قبة أو خباء ، يقال بنى على امرأته واتبتنى بها ، كناية عن الدخول عليها بالجماع الأول ، لأنهم إذا أرادوا ذلك ضربوا عليها بناء من جلد أو كتان أو غير ذلك ، وأصل البناء مصدر ، بمعنى وضع البيت أو القبة أو الخباء أو نحوهن وتركيبه ، فهو من التسمية بالمصدر كالنبات يطلق على خروج الشجر من الأرض ، وعلى نفس الشجر ، وفى الآية تلويح بأن الله - جل وعلا - لعظم فضله ورحمته جعل الإنسان كالعروس وكذا المرأة ، وإن شئت فقل كالملك بكسر اللام فىبيت مفروش معد فيه ما يحتاج إليه ، فالسماء كالسقف والأرض كالبساط والنجوم كالمصابيح ، وفيه أصناف النبات والثمرات ، وفيه الحيوانات والماء ، وهذه المنافع عمت الناس فيجب على كل مكلف منهم شكرها ، فأفقر الفقراء قد وصلته منافع الدواب ، سواء تملكها أو لم يتملكها .

١٦٢ / ٧٬٦٨٠