هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

﴿ فَأَزَلُّهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾ : إبليس أى أزلقهما أو أصدرهما أو أذهبما ، وأصل الزلل فى زلق القدم ، فاستعمال الإزلال هنا فى معنى الإخراج والإذهاب مجاز ، بمنى على مجاز آخر ، وهو أنه لم يأخذهما فيخرجهما من الجنة ، بل تسبب فى خروجهما بالوسوسة بقوله : ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ ؟ وقوله : ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ ومقاسمته أنى لكما من الناصحين ، وليس الزلل حقيقة فى الرأى كالقدم كما قيل . وقرأ حمزة : ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ من الإزالة ، ومعنى الإزلال والإزالة متقارب ، لأن فى كل منهما الإذهاب عن الموضع ، لكنه الإزلال مع عثرة أو علة فى القدم أو فى الأرض .

﴿ عَنْهَا ﴾ : عن الجنة وهو المتبادر . وتدل له قراءة حمزة ، ويجوز عود الضمير إلى الشجرة فحينئذ تكون عن سببية . أى حملهما عن الزلة بسبب الشجرة ، ويدل له قراءة ابن مسعود : ﴿ فوسوس لهما الشطان عنها ﴾ فإن قلت كيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له ﴿ اخرج منها فإنك رجيم ﴾ ؟ قلت : أجاز الزمخشرى أن يمنع دخولها على وجه التقريب والتكرمة ، كدخول الملائكة ، ولا يمنع أن يدخلها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء ، يعنى فيكونان مكلفين متعبدين بمخالفته كما كلفنا وتعبدنا بمخالفته . وقيل كان يدنو إلى السماء فيكلمهما ، ولعل قائل هذا أراد السماء السابعة ، فإن الجنة فيها ، وخلق الله فى صوته ما يسمع به آدم وحواء فقط ، أو فى سمع آدم وحواء ما يسعانه به . ولو كان بينهما غلظ السماء أو خلق فى غلظ صوته ما يسمعانه به هما وغيرهما ، ولم يؤمر غيرهما بطرده عن ذلك . أو دخل غلظ السماء قرب منهما ولم ينفذها ، أو دخل بابا ولم ينفذه ، أو كان يرى أن الجنة فى السماء الدنيا وخلق فيهما أو فيه ما ذكر . وقيل : قام عند الباب فناداهما ، ورى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة ، فدخل فى فم الحية فدخلت به وهم لا يشعرون . وقيل : تمثل فى صورة دابة فدخل ولم يشعروا ، وقيل كانت الجن تدخل الجنة وإنما منع منها إبليس وحده ، فأرسل بعض أتباعه منهم ، فأزلهما . فنسب الإزلال إليه لأنه آمر به ومحب له . وذكر بعضهم أن الحية كانت صديقة لإبليس . فلما منعته الخزنة من الدخول أتاها فسألها أن تدخله الجنة فى فيها فأدخلته وهم لا يعلمون به ، مع أنها مرت عليهم . وكان لها أربع قوائم كقوائم البعير من أحسن الدواب . وكانت من خزان الجنة قيل وسم أنيابها من مكث إبليس فى فيها . ومسخها الله - D - لذلك ورد قوائمها فى بطنها . وقيل : كانا على باب الجنة وكانا يخرجان منها ، وكان إبليس عدو الله قريباً من الباب ، فوسوس لهما ، وقد دخل مع آدم الجنة لما دخل .

٢٥١ / ٧٬٦٨٠