14
الجزء ١ · صفحة ١٢٠﴿ وَإِذَا لَقُوا ﴾ : أصله لقيوا بكسر القاف وضم الياء نقلت ضمة الياء لثقلها عليها إلى القاف بعد سلب كسرته ، فالتقى ساكنان الياء والواو ، فحذفت الياء ، ثم التقى ساكنان الواو ولام أل فحذفت الواو فى التلاوة وثبتت فى الرسم واللقاء أواخر الاستقبال إلى الشئ وأوائل الاجتماع به ، وإن شئت فقل المصادفة ، يقال لقيه ولاقاه بمعنى ، وقد قرأ أبو حنيفة : ﴿ وإِذَا لاَقُوا ﴾ بمد الألف وفتح القاف وكسر الواو للساكن بعدها ، ويقال ألقيته أى طرحته بحيث يوافيه الماشى ويصادفه ، ويجتمع به فأصلهما واحد والمعنى وإذا صادفوا .
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ : واجتمعوا بهم وهم المهاجرون والأنصار ومن يهابونه من المؤمنين .
﴿ قَالُوا ﴾ : لهم ﴿ آمَنَّا ﴾ : بما أمنتم به ، بالله وباليوم الآخر والقرآن ، ورسالة محمد A ، وإن قلت : هل يتكرر قوله : ﴿ وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ مع قوله : ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا ﴾ قلت : لا يتكرر معه ، لأن قوله عز وعلا : ﴿ ومن الناس من يقول آمنا ﴾ سبق لبيان طريقهم فى النفاق وتمهيد نفاقهم بأن صرح بأنهم يؤمنون بألسنتهم فقط .
وأما قوله : ﴿ وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ . . إلخ فتصريح بأنهم يلاقون المؤمنين بوجه ، ويلاقون الكافرين بوجه آخر ، وزادوا على ذلك أنهم يخبرون والكفار بأن الوجه الذى نلقى به المؤمنين مخادعة غير حقيقن قال ابن عباس : نزلت هذه الآية فى عبد الله بن أبى وأصحابه ، خرجوا ذات يوم واستقبلهم نفر من أصحاب النبى A ، فقال عبد الله بن أبى : أنظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فذهب فأخذ بيد أبى بكر الصديق فقال : مرحباً بالصديق سيد بنى تيم ، وشيخ الإسلام ، وثانى رسول الله A فى الغار ، الباذل نفسه وماله لرسوله الله A ، ثم أخذ يد عمر فقال : مرحباً بسيد بنى عدى بن كعب الفاروق القوى فى دين الله ، الباذل نفسه وماله لرسول الله A ، ثم أخذ بيد عمر فقال : مرحباً بابن عم رسول الله A وختنه وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله A ، فقال له على : اتق الله يا عبد الله ولا تنافق ، فإن المنافقين شر خليقة الله تعالى ، فقال : مهلا يا أبا الحسن لا تقل هذا والله ، إن إيماننا كإيمانكم ، وتصديقنا كتصديقكم . ثم تفرقوا فقال عبد الله لأصحابه : كيف رأيتمونى فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً . رواه الواحدى والبغوى وغيرهما ، يزيد بعض على بعض . وختن الرجل عند العرب من كان من جهة امرأته ، وعند العامة زوج ابنته وكلاهما صحيح عندى .
﴿ وَإِذَا خَلُوا إِلى شَيَاطِنِهِمْ ﴾ : إلى بمعنى مع أو عند ، ولو قيل خلوا بشياطينهم لكان أيضاً بمعنى معهم أو عندهم ، ويجوز إبقاء إلى على أصلها من الانتهاء ، على أن خلا بمعنى مضى ، أى مضوا من المؤمنين أو عن المؤمنين إلى شياطينهم ، أو بمعنى جاوزوا المؤمنين إلى شياطينهم ، يقال خلاك ذم أى جاوزك إلى غيرك ، أو ضمن خلا بمعنى رجع ، أى رجعوا إلى شياطينهم فإن الخلو من شئ رجوع إلى غيره ، أو ضمن معنى الإنهاء والإبلاغ من خلا فلان إذا خر منه وعبث به ، أى إذا بلغوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها ، يقال أحمدك الله ، أى أبلغك أنى أحمده على حالك ، وأذم إليك عمراً كذلك ، فمفعول خلا محذوف كما رأيت تقديره ، أو خلا باق على معنى الانفراد واللزوم ، فيقدر حال ومفعولها ، أى وإذا انفردا مبلغين السخرية إلى شياطينهم ، والمراد بشياطينهم الآدميون الذين يشبهون الجن المتمردين على دين الله فى القول والفعل علانية وتصريحاً ، وتسميتهم شياطين استعارة تصريحية تحقيقية أصلية ، والقرينة إضافة الشياطين إليهم والخلو إليهم المذكور بعد ، وهم أولى لقوتهما فى جانب الحقيقة ، وإذا جعلنا شياطينهم قرينة فما سواه تجريد وإنما أضيفوا إليهم للمشاركة فى الكفر ، أو لأنهم قدوتهم ورؤساؤهم .