41
الجزء ١ · صفحة ٢٨٢﴿ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ : وهو القرآن ، أفرد الإيمان به بالذكر مع دخوله فى قوله : ﴿ أوفوا بعهدى ﴾ لأنه المقصود والعمدة فى الوفاء بالعهد .
﴿ مُصَدِّقاً ﴾ : حال من ما ، أو من الهاء المقدرة ، تقديرها أنزلته .
﴿ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ : من التوراة والإنجيل وسائر ما عندكم من كتب الله . فإن القرآن مصدقاً لما فى التوراة ، وكتب الله من الأصول كالتوحيد والنبوة ، وفى كثير من الأحكام والقصص ، والوعد والوعيد ، والأمر بالعبادة ، والعدل بين الناس ، والنهى عن الصغائر والكبائر . وأما ما خالف فيه من الأحكام فهو أيضا فى معنى الموافقة ، لأن كلا أنسب بعصره وأهل عصره ، لتفاوت الأعصار وأهلها ، فقد اتفق فى مراعاة الأعصار وأهلها وصالحهم . ولو نزلت التوراة فى زمان سيدنا محمد - A - أو نزلت عليه لكانت وفق القرآن . ولذلك قال : A : « لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعى » رواه أحمد وغيره ، وإنما قيد المنزل وهو القرآن بكونه مصدقاً لما معه ، تنبيهاً على أن اتباع ما معه لا ينافى الإيمان بالقرآن بل بوجبه ، ولذلك قال :
﴿ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ ﴾ : فإن قوله هذا تعريض بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به ، لأنهم قد علموا به فى التوراة والإنجيل وغيرهما ، ولأنهم أهل النظر فى معجزاته ، والعلم بشأنه ، والمستفتحين به ، على مشركى العرب والمبشرين بزمانه ، وما كان من الكلام بطريق التعريض ، يكون معناه ما لوح به المراد إليه لفظه ، فليس معنى الآية النهى عن أن يكونوا سابقين إلى الكفر ، إذ لا معنى لنهيهم عند ذلك ، بعد أن سبقهم مشركو العرب إليه ، بل ذلك تعريض مجرد عن معنى ظاهر اللفظ ، كقولك لمن رأيته ظالما بفعل أو قول : لا تكن ممن يعذبه الله بالنار ، لحقوق عباده ، تريد نهيه عن الظالم . وقولك للمسئ : أما أنا فلست بمسئ ، تريد إخباره بأن فعله أو قوله إساءة ، ويجوز ألا تكون الآية من التعريض . فيكون المعنى : ولا تكونوا أول كافر من أهل اكتاب بالقرآن . فالهاء عائدة إلى ما مر من قوله لما معكم ، وقيل : عائدة إلى النبى - A - وذلك لأنهم إذا كفروا بالقرآن فقد كفروا بما معهم من التوراة وغيرها ، فنهاهم عن الكفر بما معهم ، لأن النهى عنه نهى عن الكفر بالقرآن ، وكذا العكس لاتفاقهما ، ومن سبق فى الكفر كان عليه مثل إثم جميع من اتبعه ، أو اتبع من اتبعه إلى يوم القيامة ، قال الشيخ هود - C - ولا تكونوا أول كافر به ، يعنى : قريظة والنضير ، لأن نبى الله قدم عليهم المدينة ، فعصوا الله ، وكانوا أول من كفر من اليهود ، ثم كفرت خيبر وفدك ، وفتتابعت اليهود على ذلك ، من كل أرض .