25
الجزء ١ · صفحة ١٨٠﴿ وَبَشِّرِ ﴾ : خبر وأصل البشارة إظهار السرور فى بشرة الوجه وهى جلدته ، فإن النفس إذا فرحت انتشر الدم كما ينتشر الماء فى الشجرة . فاستعلمت فى الخبر الذى يسر من سمعه ، كأنه قيل أظهر أثر لافرح فى وجوه المؤمنين بإخبارك إياهم إن لهم جنات . وإنما يظهر كمال ظهور بالخبر الأول . فمن قال لعبديه من بشرنى بقدوم ولدى فهو حر ، فأخبروه فرادى ، أعتق أولهم . وقد قيل : إن البشارة هو الخبر الأول وإن قال من أخبرنى ، فأخبروه واحداً بعد عتقوا جميعاً . إلا أن نوى غير ذلك فله نيته . واستعمال البشارة فى الخبر حقيقة ، وفى الشر مجاز على طريق التهكم بالاستعارة التبعية لعلاقة التضاد ، أو على طريقة قوله : تحية بينهم ضرب وجيع ، من حيث إنه خبر غير سار وإن لم يكن فيه تهكم والخطاب للنبى - A - أو لعالم كل عصر من زمانه - A - إلى آخر الدهر ، فشمل النبى - A - وخلائقه ، وهم العلماء ، أو لكل من يتأهل أن يبشر المؤمنين ويقدرعليه ، والمتبادر هو الوجه الأول . والثالث أو كدوا أبلغ . لأنه يشعر بأنه ثبوت الجنات لهم حقيق بأن يبشرهم به كل من قدر على التبشير به ، لعظم شأنه لكن الوجه الأول مع مبادرته قد تضمن هذا ، لأن الحكم الذى خوطب به النبى A حكم لأمته تبعاً له شرعاً ، فقد أشعر شرعاً أن الأمة حقيق لهم أن يبشر به بعضهم بعضاً . والثانى أظهر فى المراد ، غير أن العلماء أيضاً يتبعهم بغيرهم فى التبشير ، كما اتبعوا هم النبى - A - ولم يقل أبشروا يا أيها الذين آمنوا إن لكم جنات تفخيما لشأنهم ، وإشعاراً بأنهم احقاء أن يبشروا أو يهنئوا بما أعد الله لهم ، والحملة مستأنفة ، متصلة فى المعنى ، بقوله : ﴿ فَإن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفعْلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ لأن كلا منهما وصف لحال فريق وجزاؤه . فالأولى وصف لحال من كفر بالقرآن ويكفية عاقبته . والثانية وصف لحال من أمن به وكيفية ثوابه ، وزادت الجملتان اتصالا إذا كان الإيمان والكفر جميعاً بشئ واحد ، وهو القرآن . وقد جرت سنة الله فى كتابه : أن يعقب الترهيب بالترغيب . والترغيب بالترهيب . زجراً عما يردى عن الله وإعزاء بما ينجى أو مستأنفة متصلة فى المعنى بقوله : ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ للمشاكلة بالتضاد بالإنذار والتبشير ، لأنهم إذا لم يأتوا بمثل سورة منه بعد التحدى ظهر إعجازه ، وإذا ظهر فمن كفر استوجب العقاب بالنار ، ومن آمن استوجب الجزاء بالجنة ، وذلك يستدعى أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء وقرأ زيد بن على : وبشر - بالبناء للمفعول - على أن الجملة مستأنفة متصلة فى المعنى بأعدت .