10
الجزء ١ · صفحة ١١٢﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَرضْ ﴾ : أى شرك ، وفى لسانهم صحة أعنى إسلاماً ، وذلك فى مبدأ سماعهم بالوحى وغلبة الإسلام ، ثم لما قوى الإسلام وأهله ، وتضافر الوحى اشتد الشرك فى قلوبهم وكثر ، لأنه كلما سمعوا أمارة قوة الإسلام وأهله ، أو رأوها ، أو أنزلت آية ، أو وقعت معجزة ، أنكروا ذلك ، فكثر إنكارهم ، وكل إنكار من ذلك شرك ، فكثر شركهم المعبر عنه بالمرض كما أخبر الله عنه بالزيادة فى قوله :
﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مرضاً ﴾ : أى خذلهم فازدادوا شركاً مترتباً ومسبباً عن الشرك السابق لهم ، بزيادة نزول الآيات وأمر الإسلام ، وسمى شركهم مرضاً لأنه خفى فى قلوبهم ، كما أن المرض يتألم به القلب ، وقد لا يظهر أثره على الجسد ، وقد يظهر أثره عليه ولا يتعين ، فقد ترى أصفر رقيقاً فيحتمل عندك أن ذلك من خلقته ، وقد يتعين ، فقد ترى أصفر رقيقاً فيحتمل عندك أن ذلك من خلقته ، وقد يتعين . وعلى كل حال فأصل المرض خفى ، والذى يظهر إنما هو أثره . أو سمى شركهم مرضاً لأنه يضعف دين الإسلام ، كالمرض يضعف البدن ، وذلك فى الجملة ، لا خصوص دين الإسلام يفيد كونه فيهم ، فإنه لا دين إسلام فيهم ، لأنه مشركون باطناً مسلمون ظاهراً ، ومرادى بإضعافه فى الجملة أن كثرة الشرك تضعف أهل الإسلام ، ودين الإسلام ، وأن كل شرك قدح فى الإسلام وأبطأ له ولو قل ، وإن فرضنا أن فى قلوبهم إسلاماً ضعيفاً ، كرجل أضعفه الشك الذى يطرأ عليه ، ويتردد عليه مرة بعد مرة ، كان شكهم شركاً يضعف ذلك الإسلام الذى فيهم ، كما أن المرض المجامع للصحة فى البدن الواحد يضعفها ، أو سمى الشرك مطلقاً مرضاً لأنه مانع من المنافع المترتبة على الإسلام فى الدنيا والآخرة ، كما أن المرض مانع لذة المطعم والمشرب والمنام ، بل الإسلام نفسه أمر حسن لذيذ يمنعه الشرك والشك ، أو لأنه مؤد إلى تنغيص الحياة بتوقع السلب والمغنم والسبى والقتل ، أو الذل والجزية فى الجملة ، وإلى حياة عذاب فى الآخرة ، كما أن المرض ينغص الحياة .
ويحتمل أن يراد بالمرض حقيقة المرض ، فإن قلوبهم تتألم بذكر الإسلام وأمره وقوة أهله ، وزوال الأمر من أيديهم من الرياسة وغيرها حسداً منهم ، فإن الحسود بعذب نفسه لحدسه ، وكلما ازداد ذلك ازدادوا تألماً وحسداً ، وكلما ازدادت التكاليف ازدادوا ذلك إذا رأوا المؤمنين متشبثين بالتكليف بها لا يضعفون عنها ، وأيضاً قلوبهم قد تلأمت بالخوف واضعف والذل حين ولو أمر المسلمين ، ورسول الله A فى ازدياد وتضاعف نصر على الأعداء ، وتبسطاً فى البلاد ، فذلك مرضى حقيقى ويحتمل أن يراد الوجهان معاً فى الأية ، لأن المرض فيهما حقيقى ، وإما أن يرادا معاً أو أحدهما مع ما مر أولا ، من تخرج المرض على المجاز ، فلأنه جمع بين الحقيقة والمجاز ، ولو أجازه بعض ، وضابط ذلك ان المرض حقيقة فيما يخرج به البدن عن الاعتدال الخاص ، ويوجب الخلل فى أفعال البدن أو فى خروج البدن عن ذلك ، ومجاز فى المعاصى النفسانية : كالجهل والشرك والحسد ، وحمل الآية على المجاز أولى لأنه أبلغ من الحقيقة ، وإنما أسند الله سبحانه وتعالى الزيادة إلى نفسه لأنها بمعنى خذلان خلقه الله لهم .