48
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً ﴾ : أى احذروا عذاب يوم أو حساب يوم عسير ، فيوماً مفعول به لاتقوا على حذف مضاف لا ظرف لهُ ، لأن الاتقاء إنما هو فى الدنيا بترك المعاصى لا فى ذلك اليوم ، وإما أن يكون ظرفاً لمفعول محذوف فجائز ، أى واتقوا العذاب أو الحساب العسير يوماً ، أن اتقوا فى الدنيا أن تعذبوا يوم القيامة أو أن تحاسبوا فيه حساباً عسيراً .
﴿ لاَ تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً ﴾ : هذه الجملة نعت ليوماً والرابط محذوف ، أى لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئاً ، فقيل حذف الجار والمجرور رفعه ، فالرابط حذف مخفوضاً ، وقيل حذف الجار وانتصب محل المجرور على نزع الخافض واتصل بتجزى فحذف منصوباً كحذف الرابط الذى هو ضمير مفعول به . قال الشيخ خالد : الأول مذهب سيبويه والثانى مذهب الأخفش . قال الحارث بن كلزة الثقفى يعاتب ابن عمه :
فما أدرى أغيرهم تناءى … وطول العهد أو مال أصابوا
والتنائى التباعد والتقدير أو مال أصابوه ، فحذف رابط النعت أى لا أدرى أغيرهم تباعد وطول العهد أو مال أصابوه ، كما أن أكثر الناس بغيرهم الغنى . قال أبو الهول فى صديق له أيسر فلم يجده كما يظن .
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة … فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر
لقد كشف الإثراء منك خلائقا … من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وشيئاً : مفعول مطلق أى شيئاً من الجزاء ، والشىء من الجزاء جزاء . كأنه قيل لا تجزى نفس عن نفس جزاء ما ، أى لا تغنى عنها إغناء ما ، أو مفعول به على كون تجزى بمعنى تدفع أو تقضى أى لا تقضى عنها حقاً من الحقوق ، أو لا تدفع عنها مضرة من المضرات الواجبة عليها . قال السدى : معناه لا تقضى ، ولفظ شىء أنسب لمعنى تقضى أو تدفع ، لأن أصله ألا يكون مفعولا مطلقاً ، وقرىء لا تجزئ بضم التاء وبالهمزة بعد الزاى ، وعليه فشيئاً مفعول مطلق ، أى لا تجزئ إجزاء ما ، وقرأ أبو السوار الغنوى : لا تجزى نسمه عن نسمة شيئاً ، والمراد على كل وجه أن نفساً كائنة ما كانت لا ترد عن نفس كائنة ما كانت ما أصابها ، بل يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه ، وأحدنا اليوم قد يقضى عن قريبه ديناً ، وأما فى الآخرة فليس للمرءُ أن يترتب لهُ على قريبه حق لأن القضاء هناك من الحسنات والسيئات ، كما أخبر النبى A ، ولا يخفى ما فى تنكير النفسين وشيئا بعد النفى من التعميم والإقناط .
﴿ وَلا يُقْبَلُ ﴾ : وقرأ ابن كثير وأبو غمر بالتاء المثناة فوق .
﴿ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ﴾ : وقرأ قتادة ( يَقْبَلُ مها شفاعةً ) ببناء يقبل للفاعل الذى هو الله تبارك وتعالى ، ونصب شفاعة .