35
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧﴿ وَقُلْنَا يَأَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ﴾ : حواء
﴿ الجَنَّةَ ﴾ : أى اتخذها أنت وزوجك منزلا ولا تخرجا منها ، ولذلك لم يقل فى الجنة ، فوكل اتخاذها منزلا إليهما ، فلم يتحفظا عليها ففعلا ما يوجب خروجهما منها . وقد سبق قضاء الله تعالى بذلك ، فلم يقل أسكنتك وزوجك الجنة لا تخرجا منها ، وهى الجنة التى هى جزاء المؤمنين يوم القيامة . فالآية دليل على أنها موجودة الآن ، وذلك كله هو الصحيح . وأل للعهد . وهو أيضا دنى ، فإن الجنة التى هى فى عرف المؤمنين دار الجزاء والثواب ، ويدل لذلك قوله : ﴿ اهبطوا ﴾ لإنه أنسب بالنزول من علو إلى خفض . والجنة فوق السماء السابعة . وزعم بعضهم أن الجنة غير مخلوقة الآن ، وأنها تخلق بعد قيام الساعة ، وأن هذه الجنة التى كان فيها آدم وحواء بستان ، كان بأرض فلسطين من الشام ، أو بين فارس وكرمان ، خلقه الله امتحانا لآدم ، وأن الهبوط : الانتقال منه إلى أرض الهند . وإنما خاطب آدم أولا وذكر زوجه بعده على طريق الغيبة ، ولم يعكس بأن يقول : يا حواء اسكنى أنت وزوجك الجنة ، ولم يخاطبهما معاً بأن يقول : يا آدم ويا حواء اسكنا الجنة ، تنبيها على أن المقصود فى السكون بالذات هو آدم ، وأن حواء تتبع له ، وأن المرأة خلقت لينتفع الرجل بها ، وتلد ذكورا وإناثا ليتم العالم الإنسانى ، ولتعبد الله .
ألا ترى تأخرها فى الوجود ونقصها؟
﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً ﴾ : نعت لمصدر محذوف ، أى : كلا رغدا أى واسعا راقها لا حجر فيه ، وهذا إما على أن رغدا وصف ، كما يستعمل مصدراً . أو على أنه مصدر بمعنى الوصف ، وإما على تقدير مضاف أى كلا ذا رغدا ، أى صاحب وسع . وإما على أنه نعت به للمبالغة ، ويجوز كونه مفعولا مطلقا على حذف مضاف ، أى أكل رغد . ويأتى كلام فى غير هذه السورة إن شاء الله تعالى - ولك ان تقول الأكل الرغد : الأكل الهنئ ، أو أكل الرغد أكل الهناء ، وهو تفسير فيه زيادة الوسع .
﴿ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ : أى مكان من الجنة ، أباح لهما أن يأكلا فى كل مكان منها . سواء كان المأكول من ذلك المكان الذى يأكلان فيه ، أو كان من غيره ونقلاه إليه ، وذكر لهما هذه التوسعة امتناناً عليهما ، وتنبيها على غناهما بالكلية عن الشجرة . التى ينهاهما عنها . إذ مأكول الجنة غيره هذه الشجرة من أشجارها لا ينحصران .
﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ : نهاهما عن قربها إما على المبالغة فى النهى عن الأكل منها ، والمراد النهى عن الأكل منها ، ولم يحرم القرب منها ، ولكن عبر بصيغة تحريم قربها مبالغة ، ووجه ذلك أن القرب من الشئ يدعو إلى دخوله وملابسته ، وإما على الحقيقة بأن حرم عليهما القرب منها ، كام حرم الأكل منها ، لأن القرب منها يدعو إلى اشتهاء النساء لها ، فيتناولها منها .