3
الجزء ١ · صفحة ٦٤﴿ الَّذِين ﴾ : نعت للمتقين مقيد له ، أعنى لمنعوته الذى هو بعض المتقين ، إن فسرنا التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية بالحاء المهملة ، وهو التزيين بالأشياء الجميلة على التحلية ، وهى التجريد من الأوساخ والأصداء ، وترتب النفس فى الشئ على تصقيله ، أو نعت للمتقين موضح له ، إن فسرنا التقوى بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية ، لاشتمال التقوى على الإيمان والصلاة والزكاة ، وهن أصل الأعمال والحسنات وأعمال القلب والبدن والمال ، وعليهن يترتب سائر الطاعت وتجنب المعاصى غالباً ، قال الله تبارك وتعالى : ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفشحا والمنكر ﴾ ، وقال A : « الصلاة عماد الدين » قال : « والزكاة قنطرة الإسلام » أخرج البيهقى فى شعب الإيمان مرفوعاً بسند منقطع : « الصلاة عماد الدين » ، وأخرج أبو نعيم شيخ البخارى عن بلال بن يحيى مرفوعاً : « الصلاة عماد عمود الدين » وهو مرسل ، وقال إن رجاله ثقاة ، وأخرج الطبرانى فى الكبير ، والبيهقى فى شعبه مرفوعاً بسند ضعيف : « الزكاة قنطرة الإسلام » وأخرج عمروس ابن فتح C عن على عن رسول الله A أنه قال فى خطبته : « ألا إنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والمتعدى فيها كمانعها » وروى الربيع عن أبى عبيدة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس عن النبى A قال : « لا إيمان لمن لا صلاة له ، ولا صلاة ولا ضوء له ، ولا صلاة ولا وضوء لمن لا صوم له ، ولا صوم له إلا بالكف عن محارم الله » .
أو : الذين نعت للمتقين على طريق المدح ، فهو التقوى صلته مدح لما تضمنه بعض المتقينمن الإيمان بالغيب ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق مما رزقهم الله ، وإنما يجعل الإنفاق الذى هو غير زكاة مما تضمنه بواسطة باعتبار أنها للمحاذرة عن النار بكل ما أمكن ، ولأن التقوى تستتبع الأعمال الصالحة ، ولك أن تقول التقوى الإيمان بالغيب ، وتضمن الصلاة والزكاة ونحوها من الواجبات فقط ، وخص ذلك بالذكر إظهاراً لتفضيلها على سائر ما يدخل تحت التقوى ، أو الذين مفعول لأمدح أو لأعنى ، أو خبر لمحذوف ، أى هم الذين ، ويجوز أن يكون الذين مبتدأ خبره : ﴿ ألئك على هدى من ربهم ﴾ وإذاجعلناه نعتاً للمتقين ، فالوقف على المتقين حسن ، وكذا باقى الأوجه ، إلا إذا جعلناه مبتدأ فالوقف على المتقين كاف ، لأنه لو فصل عنه لفظاً فقد وصل به معنى ، قاله السعد ، وقال القاضى تام ، والأرجح أن يكون نعتاً للمتقين ، كأنه قيل المتقين المتصفين بأنهم :
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب ﴾ : الإيمان فى اللغة التصديق ، والماضى : أمن بهمزة فألف فميم مفتوحة ، فالهمزة للتعدية ، والألف بدل من الهمزة التى هى فاء الفعل الثلاثى ، بوزن أفعل كأكرم ، لأن مصدره إفعال بكسر الهمزة لا بون فاعل بفتح العين ، إذ لم يكن مصدره فعلا بالكسر كان المصدق بكسر الدال صير المصدق بفتحها أمناً من أن يكذبه أو يخالفه ، فالأصل أن يقول : آمنت الغيب وآمنت النبى محمداً A ، أىصيرتهما آمنين من أن أكذبهما أو أخالفهما ، بالتعدية بالهمزة المزيدة ، ولكن عدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان ، أو بالقلب ، أو باللسان دون القلب ، فى حالة الكذب ، ولو كان المشهور عندنا معشر الإباضية : الوهبية : أنه لا يدخل الإنسان فى التوحيد إلا باعتقاد وإقرار باللسان جميعاً ، وقد يطلق بمعنى الوثوق ، فالهمزة للصيررة نحو أمنت زيداً أى صيرته ذا أمن من أن يكذبنى ، يقول ناوى السفر ما آمنت أن أجد صحابة ، أي ما أثق أن أظفر بمن أرافقه ، وذلك إما على تضمن آمنت بالشيء بمعنى استوثقت ، واطمأن قلبي إلى وجوده وصحته ، وإما على أن الواثق صار ذا أمن به لم يدخله ريب من جانبه ، وتلك الوجوه كلها حسنة فى الآية .