43
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧﴿ وَأَقِيموا الصَّلاَةَ ﴾ : أل للجنس أو للعهد ، وعلى كل حال المراد الصلوات الخمس .
﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ : النَّبى أى صيروها آتية إياه حاضرة بين يديه ، يفرقها فى أهلها ويجعلها فيما يقوى الإسلام ، زكاة العين والأنعام والحبوب ، فذلك صلاة المؤمنين وزكاتهم ، وأما صلاة هؤلاء الأواخر وزكاتهم ، فلا تفيدانهم شيئاً ، بل تزيدانهم عذاباً ، أمرهم الله جل وعلا بفروع الإسلام بعد أمره إياهم بأصوله ، فهذا نص فى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما يخاطبون بأصولها ، فهم معاقبون على ترك الفروع كما يعاقبون على ترك الأصول ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿ ما سلككم فى سقر . قالوا لم نك من المصلين . . إلى آخره ﴾ ولا فرق فى ذلك بين من جحد الله وبين من جعل له شريكاً ، وبين من أقر بالله وجحد بسيدنا محمد A أو غيره من الأنبياء ، وليس ذلك مختصاً بمشركى هذه الأمة . والمراد بالزكاة هنا وفى مثل هذا المقام نفس الجزء الذي يخرج من المال ، لا إخراجه لقوله : ﴿ آتوا ﴾ سمى باسم المصدر مبالغة فى أن بركة المال تزكوا به ، وكذا ثواب الأعمال وفضيلة الكرم فى النفس ، أو فى أن المال يطهر بها من الخبث والتلف ، والنفس من البخل ، فإن الزكاة لغة تستعمل بمعنى النمو وبمعنى الطهارة .
﴿ وَرْكَعُوا ﴾ : صلوا الصلوات الخمس .
﴿ مَعَ الرَّاكِعِين ﴾ : المصلين لهن بالجماعة : محمد A وأصحابه . روى الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس عنه A : « الصلاة فى الجماعة خير من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة » وعن أبى هريرة عنه A : « بخمس وعشرين درجة » وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة فى حاشية ترتيب مسند الربيع الجمع بينهما ، بأن يكون الخمس والعشرون فى بعض الناس لقرب ديارهم من المسجد ، أو لضعف إخلاصهم أو طهارتهم ، أو خشوعهم أو إمامهم ، والسبع والعشرون لغيرهم ، وبنحو ذلك ، والآية دليل على وجوب صلاة الجماعة إذا كانت الجماعة مستقيمة ، عبر عن الصلاة بجزئها وهو الركوع ، ويجوز أن يراد به الخضوع أى اخضعوا مع الخاضعين لأمر القرآن ، ومحمد A . قال الأصبط السعدى بن قُريع ، قال زكريا هو من شعراء دولة بنى أمية :
لا تهينَ الفقير علك أن … تركع يوما والدهر قد رفعه
أى تخضع وتذل ، وروى لا تذل الفقير . وفتح تهين على حذف نون التوكيد الخفيفة ، وقال : الشيخ خالد الأصبط السعدى المذكور قبل الإسملا بخمسمائة عام ، ويمكن الجمع بأنه سبق الإسلام بذلك وأدركه ، وعاش إلى دولة بنى أمية ، وقبْل البيت :
كل ضيق من الأمور يسع … وسنا الصبح لا بقاء معه
وفى الآية دليل على خطاب الكفار بفروع الشريعة أيضاً ، فإن إيقاع الصلاة فى الجماعة من فروعها أيضاً أمر اليهود بالصلاة الخمس ، ثم أمرهم بأدائها مع الجماعة .