هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

5

الجزء ١ · صفحة ٨٩

ولو قال : وهم المفلحون لم يفد كل ذلك بل بعضه ، وقرنت الجملة الثانية بالواو والعاطفة لمغايرة الإفلاح للهدى ، فإن الإفلاح الفوز بالمطلوب من رضى الله - جل وعلا - ونعيم الجنة والنجاة من النار وهو فى الآخرة ومقصود على حدة والهدى الدلالة والتوفيق وهما فى الدنيا مقصودان على حدة بخلاف قوله تبارك وتعالى : ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾ إن وصفهم بكونه كالأنعام ووصفهم بالغفلة واحد فى الحقيقة . وأما الثانى لا مقرر للأول إذ لا معنى للتشبيه باأنعام إلا المبالغة فى الغفلة ، وكونها كالأنعام وغفلتهم كلاهما فى الدنيا . فلذلك الاتحاد فى المعنى والزمان لم يكن بالعطف لاقتضائه التغاير . . والله أعلم . والتحقيق عندى أن أولئك هم المفلحون يفيد الحصر وتأكيد نسبة الإفلاح إلى أولئك . وإيضاح كون المفلحون خيراً لا نعتاً والترغيب فى اقتفاء أثرهم وإظهار قدرهم ، سواء جعلنا قولهم هم ضمير فصل أو مبتدأ . وإذا عقلت هذا الحصر ظهر لك أن أصحاب الكبائر يخلدون فى النار ، فإن المعنى لا يفلح إلا المتصفون بتلك الصفات . فمن لم يتصف بها غير مفلح ، ومن يدخل النار غير مفلح . ولو فرضنا خروجه منها لكان مفلحاً وغير مفلح ، وهذا لا يصح . ولعل قومنا القائلين بالخروج يجعلون أل فى المفلحون للكمال ، أى أولئك هم المتصفة ، بتلك الصفات هم أصحاب الفلاح الكامل وغيرهم ممن أقر وفسق مفلحون أيضاً . لكن فلاحهم غير كامل . أم يقولون نزل فلاحهم منزلة العدم ، فحصل الفلاح فى المتصفين بتلك الصفات ، وإنما لم نسلم لهم هذين التأويلين لو لم يكونا خلاف الظاهر بلا داع موجب ، ولا يعارضوننا بوصف الفاسق كغيره بالاصطفاء فى قوله D : ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ لإنه مشروط بالموت على التوبة . وإن قلت : لو قيل أولئك المفلحون على الابتداء والخبر لأفاد الحصر أيضاً بدون ذكر قوله : هم . قلت : نعم لكن إذا ذكر قوله هم ، كان هو المفيد للحصر بواسطة ما بعده ، مع أنه قد يتوهم من عدم ذكره كون المفلحون نعتاً لأولئك فلا يظهر تمام الإسناد فضلا عن الحصر . وأل فى المفلحون للعهد الذهنى ، أى أولئك هم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون ، أو للحقيقة حقيقة المفلحين ، أو للعهد الذكرى إذا ذكر من يفلح فى غير هذه الآية فى السورة النازلة قبل هذه السورة ، وإذا تتبعت الكلام وجدت كل كلمة أصلها الأول فاء . والثانى لام دالة على الشق بظهور أو تأويل . كفلق وفلذا وفلى ، فكذلك المفلح قد انفتح له وجوه الظفر وانشقت له ، وفلق شق ، وفلذٌ قطع . وأفلاذ الكبد قطعها . وفلى رأس الكافر ضربه بالسيف ، ويكون الفلاح أيضاً فى لغة العرب بمعنى البقاء . فيصح تفسير الآية به ، أى أولئك هم الباقون فى النعيم الدائم ، الخالدون فيه ، الذين لا ينقطعون عنه أبدا . قال الشاعر :

لو أن حيا مدرك الفلاح … أدركه ملاعب الرماح

أى مدرك البقاء ، غير أنه يحتمل أن يريد بالفلاح الفوز بالمطلوب وهو البقاء فلم يخرج عن تفسير الفلاح بالفوز بالمطلوب . فافهم .

٨٩ / ٧٬٦٨٠