جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

من آثار التشريع الإسلامي في العقوبات

الجزء ١ · صفحة ١١٥

الشفاه وأراقوا ما فيها من شراب كانت تصدى إليه أكبادهم، وتتشوق إليه قلوبهم ولم يكتفوا بذلك حتى قاموا إلى الدنان فحطموها فكانت الخمر التي هي من أعز الأشياء عندهم تجري أنهارا في زقاق المدينة ولم يكن شيء من ذلك خشية من صوت لاذع أو سيف صارم أو سجن رهيب وإنما كان ذلك لما وقر في قلوبهم من الإيمان واستقر فيها من حب الله وخوفه ورجائه وإن شئت فقس ذلك إلى ما ذكره بعض

الكاتبين أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت لمدة أربعة عشر عاما أن تحرم الخمر فلم تبق وسيلة من وسائل المدينة الحديثة كالصحافة والأفلام إلا استعملتها للكشف عن مضار الخمر وتنفير الناس عنها، كما استعملت كل قسوة وشدة في العقوبة عليها وكان ما نشرته من الصحف عشرة ملايين صحيفة وتكلفت في تفنيد هذا القانون ربع مليون جنيه ،وصادرت من الأموال أربعمائة وأربعة ملايين من الجنيهات وعاقبت بالإعدام ثلاثمائة شخص وبالسجن خمسمائة ألف واثنين وثلاثين ألفا وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ومع ذلك فإن الناس ازدادوا إقبالا على الخمر وتفننا في الاحتيال على حصولها مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى إلغاء قرارها وفي هذا ما يكفي دليلا على فشل الأنظمة البشرية وتعذر مقارنتها بنظام القرآن الذي يصلح النفوس ويحيي الضمائر، ويصقل الفطر ويغرس في القلوب مراقبة الله تعالى وفيما يحدث في زماننا هذا من الجرائم التي تقاس بالثواني في أكبر دولة في العالم ترهب الدنيا بقوتها وتسع الأرض بمخابراتها وتتفوق في التقنية والإنتاج على غيرها، دليل واضح على أن القوة المادية لا تضفي على الناس الهدوء والاستقرار ولا تكفي لإصلاح النفوس الفاسدة وتقويم السلوك المنحرف.

هذه نبذة عن الإعجاز التشريعي في القرآن وأرجوا إن شاء الله أن أوفق لتفصيل ما أجملته هنا عندما آتي بعون الله وتوفيقه إلى آيات الأحكام في القرآن الكريم والله ولي التوفيق.

---

١٠٤ / ١٬٢٢٠