1- الإعجاز التشريعي
الجزء ١ · صفحة ٩٥1- الإعجاز التشريعي
التشريع القرآني لم ينتج عن فكرة أو تجربة
لقد أنزل الله القرآن على محمد بن عبدالله النبي العربي الأمي صلوات الله وسلامه عليه في بيئة أمية وعلى جزء من جزيرة العرب لم يمتد إليه شعاع الحضارة ولم تقم على ترابه دولة، ولم يخضع لسلطة خارجية فكانت هذه البقعة بالذات أبعد بقاع جزيرة العرب عن معرفة نظام الحكم ومناهج التشريع والنبي صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله باصطفائه لهذا الأمر العظيم لم يكن يخطر بباله البحث عن الشئون السياسة ولا المناهج الاقتصادية ولا دراسة علم النفس، ولا أي ناحية من النواحي التي تتصل بحياة الناس وإنما كانت نشأته كنشأة عامة شباب قريش من هذه الناحية وقد كان منطويا على نفسه لا يطمح إلى الظهور ولا يتطلع إلى منصب ولذلك لم يكن يشارك فصحاء العرب من الشعراء والخطباء في مجامعهم بسوق عكاظ أو غيره ليتألق كوكبه في أفق البيان شعرا أو نثرا ولم يكن مهتما بالمنافسة في الوسط الذي يعيش فيه، فلذلك لم يكن يشترك في مجالس الشورى التي كانت تعقد في دار الندوة بمكة إلا بالحضور والإنصات اللهم إلا ما كان منه صلى الله عليه وسلم من مشاركته في حلف الفضول الذي كان يعتز به في الإسلام ويصفه بأنه أحب إليه من حمر النعم ويعلن أنه لو دُعي إليه لأجاب كل هذه النواحي تثبت لنا استحالة كون التشريع القرآني ناتجا عن فكره أو صادرا عن تجربته فإنه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أنه يحتاج إلى سلسلة من التجارب والدراسات في أحوال الناس النفسية والاجتماعية كما يحتاج إلى أن تتضافر عليه جهود ذوي الخبرات المتنوعة.
فالتشريع الروماني مثلا هو وليد تجربة دامت زهاء ثلاثة عشر قرنا وقد تضافرت على صياغته وإخراجه جهود كثير من النبغاء والمفكرين منهم (سولون) الذي وضع قانون أثينا (وليكورغ) الذي وضع نظام أسبرطه فأني لعربي نشأ في أرض