العلم الحديث ومعجزة القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥٨العلم الحديث ومعجزة القرآن
ولقد أخذت هذه الحقائق تتكشف برهة بعد أخرى بما لا يبقى معه شك في عجز المخلوقين عن مثله، وقد اتضح ذلك لغير المسلمين فأذعنت ألسنتهم وأقلامهم لمعجزة القرآن، وإن لم يحالفهم التوفيق فيتبعوا نوره ومن بين هؤلاء الدكتور(موريس بوكاي) الذي سبق أن ذكرته وقد ألف في ذلك كتابا سماه "العلم في التوراة والإنجيل والقرآن" أوضح فيه تعذر كون القرآن من عند الناس واستحالة كونه غير منه شيء، وأثبت فيه أن الكتابين السابقين قد أصابهما كثير من التحريف والتبديل وقد استبصر في بحثه هذا بنور العلم الحديث، هذا وقد وقف المفسرون حيال هذه الاكتشافات مواقف متباينة فمنهم المفرط ومنهم المفرّط ومنهم المعتدل أما المفرطون فهم مع تلك النظريات ولو لم يحتملها لفظه وهم- وإن كانت لهم نية ما تتناسخ ويقضي بعضها على بعض أو يعدل بعضها بعضا فإذا فسر القرآن بشيء من هذه النظريات ثم نسخت النظرية بنظرية أخرى كان ذلك سببا لتعويض القرآن للرد والتكذيب.
وأما المفرطون فهم قوم اقتصروا على آراء السلف في التفسير، وعصبوا أعينهم عن العلم الحديث ودلائله، وأما المعتدلون فهم الذين جعلوا القرآن هو الأصل وحملوا عليه الحقائق العلمية التي دلت عليها آياته دلالة واضحة دون النظريات التي قبلوه، وما كان مدلولا عليه بها دلالة غامضة قبلوه بتحفظ، خشية تعريض كتاب الله للتعديل والتبديل، وفي نظري أن هذا المنهج هو المنهج الوسط، إذ لا سبيل لأن نغمض أعيننا عن الحقائق العلمية الثابتة التي دل عليها القرآن أو أشار إليها، ونتمسك بأقوال الماضين التي حشيت بكثير من الإسرائيليات الزائفة مع أن القرآن نفسه واضح في أن آيات الله الكونية ستتجلى للناس بصدقه وستقطع ألسنة الجاحدين بما يتكشف منها من الشواهد القاطعة بإعجازه، كما أنه لا سبيل للي أعناق الآيات حتى تخضع لنظرية هذا أو ذك