حيرة العلماء في وجوه الإعجاز القرآني وأسراره
الجزء ١ · صفحة ٦٥حيرة العلماء في وجوه الإعجاز القرآني وأسراره
ومن حيث أن عظمة القرآن أسمى من مدارك الأفهام حار العلماء في وجه إعجازه حتى بلغ الأمر ببعضهم أن ادعى أن أعجازه بالصرفة، وقد تعقب رأي هؤلاء بالرد جل الذين كتبوا عن إعجاز القرآن من المتقدمين والمتأخرين وقالوا عنهم إنهم كسالى لا يريدون أن يحملوا أنفسهم مؤونة البحث في وجوه الإعجاز، فلذلك اكتفوا بدعوى أن إعجازه يصرف الناس عن الإتيان بمثله، وقال عنهم السيد/ محمد رشيد رضا في المنار:
قد عجزوا عن إحالة قدح الفكر في استخراج أسرار هذا الأمر…واحتج عليهم القرطبي بالإجماع لاتفاق كلمة المسلمين قبل ظهور خلاف هؤلاء أن إعجاز القرآن بذاته وليس بالصرف عن الإتيان بمثله، ورد عليهم الإمام أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" قائلا: إنهم لم يتذوقوا بلاغة القرآن العظيم ولم تبلغ أفهامهم شأو إعجازه وضرب لهم مثلا المرأة التي رأت زوجها يواقع جاريته فلما عاتبته أنكر فقالت له إن كنت صادقا فاقرأ شيئا من القرآن فأنشدها أبياتا من الشعر ذكر فيها الله ورسوله وكتابه فصدقته وكذبت عينيها ولم تفرق بين القرآن والشعر، وذكر عن أستاذه أبي جعفر أن رجلا ممن أوتي حظا من العلوم الإسلامية وكان جامعا للعلوم القديمة قال له:
يا أبا جعفر إني لا أحس بفرق بين القرآن وسائر الكلام وذكر أن أحد شيوخه كان متضلعا بالمعقول وآخذا حظه من المنقول لكنه إن أراد أن يكتب فقرات بليغه كلف أحد طلبته إنشاءها وذكر عن آخر أنه كان يروي الشعر فتسقط كلمة من البيت ولربما سقط ربع البيت وهو لا يشعر باختلال الوزن، ثم قال أين هؤلاء من أولئك الذين يعرفون انكسار البيت لتسكين المتحرك أو تحريك الساكن.
ونجد العلامة أبا زهرة في كتابه "المعجزة الكبرى" يتفق مع غيره من المؤلفين في الإعجاز القرآني على إنكار مذهب الصرفة ولكنه يختلف معهم في تحديد سبب