ما تمتاز به بلاغة القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٣ما تمتاز به بلاغة القرآن
ومما يميز بلاغة القرآن أنك تجد آياته تتناول الموضوعات المتعددة من غير تبويب وترتيب فبينما تجدها تأمر وتنهي تجدها تعد وتتوعد أو تعظ وتذكر أو تكشف عن طبيعة الكون أو تكوين الإنسان أو تقص أنباء الأمم السالفة وأخبار الأنبياء إلى خلخلة في البلاغة ولكن تجده طبقة واحدة في قوة التعبير وجزالة المعاني وانسجام الألفاظ وحسن التركيب بحيث لا يمكنك أن تفضل بيانه في جانب عليه في جانب آخر، بينما كلام نبغاء البشر لا يتيسر له قدرها من البلاغة في كل شيء ولذلك يتفاضل الشعراء والخطباء والكتاب باختلاف الموضوعات التي يطرقونها فقد يفضل شاعر غيره في الوعظ أو الرثاء أو الحماس أو الغزل أو الفخر ولا تجد شاعرا واحدا بعينه يتفوق على الشعراء في جميع أغراض الشعر ومثلهم الخطباء والكتاب وبالجملة فإن وجوه الإعجاز في بيان القرآن أكثر من أن تحصى وما قصدت بهذا النموذج اليسير الذي ذكرته إلا تحريك الهمم وبعث العزائم في نفوس شبابنا خصوصا إلى دراسة الأدب منهم، علهم يصرفون همتهم إلى القرآن الكريم فإنهم- ولا ريب- سيجدون منه النبع الذي لا ينقطع والنور الذي لا يأفل والكنز الذي لا يفنى وفي هذا ما يغنيهم عن المستنقعات الآسنة من الأدب الساقط كغزليات عمر بن أبي ربيعة، وخمريات أبي نواس، وغيرها من الأدب المكشوف الداعر الذي تقذفه سموما قرائح الفساق الحاقدين على الإسلام والمناوئين لأهله وما أكثر هؤلاء في كل عصر خصوصا في عصرنا الذي تميعت فيه الأخلاق وانحدرت فيه القيم وحورب فيه الإسلام بأنواع الشعارات التي ظاهرها الرحمة وباطنها شر أنواع العذاب ولا يفوتني أن أهيب بشبابنا الذين يدرسون الطب والعلوم والاجتماع والاقتصاد وغيرها من فنون العلم أن يجعلوا محور دراستهم القرآن الكريم حتى يكشفوا عن أسرار إعجازه التي لا تزال في الخفاء وأسأل الله لي ولهم
ولكل المسلمين التوفيق والعون والتسديد.