من مميزات التعبير القرآني
الجزء ١ · صفحة ٨٢من مميزات التعبير القرآني
يقول تعالى مصورا عاقبة نوح وما أصابهم من الغرق"وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" ( هود/44) إن كل من أوتي نصيبا من الذوق والحس يشعر بتلاوة هذه الآية إن تلاها أو تليت عليه بهاجس نفسي يستوقفه عند كل كلمة بل عند كل حرف منها وما ذلك إلا لما فيها من دقة الترتيب وجمال التنسيق بين الحروف وبين الكلمات وما يصحب ذلك من ترتب المعاني وتساوقها فكان كل حرف منها له إشاعة الخاص ويبدأ تجلي ما فيها من جمال وجلال بتصدير الآية بالقول مبنيا للمجهول :وقيل" وما ولي ذلك من نداء الأرض باسمها الصريح بنا من أحرف النداء دون غيرها وأمرها بأن تبلغ الماء وإضافة الماء إليها وإتباع نداء الأرض بنداء السماء بنفس الأداة وأمرها بالإقلاع وإظهار النتيجة وهي غيض الماء وقضاء الأمر بصياغة فعل مبني للمجهول من كل منهما واستواء السفينة على الجودي وإعلان النهاية وهي بعد القوم الظالمين، ولو أن حرفا من هذه الحروف انتزع من مكانه لم يسد غيره مسده وبهذا يظهر أن البلاغة كما تكون في الجمل تكون في المفردات أيضا مع الترتيب وإن كانت الكلمات المفردة لا يتجلى جمالها ولا يسطع ضياؤها إلا إذا قرنت بما يناسبها بحيث تكون كل واحدة منها آخذة بحجزة أختها بحسب ترتب المعاني في النفس، وإن شئت فانظر في قوله تعالى"وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ" ( التكوير/18) تجد من الروعة والجمال باجتماع كلمتي الصبح والتنفس ما لا تجده لو جيء بأي كلمة لتوضع مكان إحدى الكلمتين بهذا التأثر فإن كلمة الفجر إذا تنفس لم تخالط نفسك هذه الروعة ولم تحس بهذا التأثر فإن كلمة الفجر وإن كانت رديفة لكلمة الصبح فهي تختلف معها في الاشتقاق لأنها مشتقة من