القرآن الكريم يتفق ومطالب كل عصر
الجزء ١ · صفحة ٦١القرآن الكريم يتفق ومطالب كل عصر
ولقد ظل القرآن الكريم طوال أربعة عشر قرنا خلت منارة شامخة تسطع على الدنيا لا يهزها تتابع أعاصير الأفكار المختلفة ولا يرجها طغيان فيضانات المعارف المتنوعة التي محت كل رسم من رسوم الفلسفات السابقة وأتت كل أثر من آثار الثقافات القديمة، بل كان ذلك كله مما يزيد برهانه وضوحا وإعجازه سطوعا، وأعجب من ذلك أن يواجه القرآن كل جيل من أجيال هذه القرون المتتابعة بما يحل مشاكله ويروي ظمأه ويشفي علله، فكأنما أنزل على كل جيل إنزالا جديدا بقدر مقاييس عقله ومعايير فكره، وأطوار حياته ومطالب عصره حتى إنه ليخيل للناشئ في أي زمان وفي أي مكان أنه لم ينزل إلا ليشفي أمراض المجتمع الذي هو فيه لأنه يراه كالثوب الذي فصل بقدر قامة مجتمعه، ذلك لأن الله جعله نبعا نورانيا يروي كل نفس ويتدفق بكل دهر، ولعمري ما ألفاظ القرآن إلا كلمات نورانية تجلت من الغيب فتألقت في أفق البيان كما تتألق النجوم في أفق الفضاء وإنما الفارق بين تلك وهذه أن تلك تهدي الأبصار وهذه تهدي البصائر، وأن تلك من شأنها الأفول وهذه لا تغور ولا تزول، فالقرآن يصلنا بالغيب ويعكس لنا حقائق الوجود وينير لنا مهيع الحياة، ويمدنا بعطائه الذي لا ينفد بعبارات لا ترقى إليها ملكات البشر إلا بقدر ما ترقى الأبصار إلى النجوم، وكلما حاول محاول سولت له نفسه أن يأتي بمثله انتكس على أم رأسه وكان مثار السخرية والاستخفاف إلى يوم الدين، ومن ثم أحجم كفرة قريش الماردون كعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة والوليد بن المغيرة وأبي جهل ابن هشام عن الاقتراب من معارضته ولم تسول لهم انفسهم ذلك لأنهم يدركون أنهم لو حاولوا ذلك لما كان منهم إلا الإسفاف الذي يربأون بأنفسهم عنه ويأنفون من نسبته إليهم، وقد كان عند هؤلاء الكفرة الماردين من التفكير مالم يكن عند أولئك