جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

دقة التصوير القرآني دليل على أنه ممن أحاط بكل شيء علما

الجزء ١ · صفحة ٧٨

دقة التصوير القرآني دليل على أنه ممن أحاط بكل شيء علما

وإذا أخذت تفكر فيما يجليه القرآن من معان ذهنية وحالات نفسية ومشاهد غائبة وأدركت من دقة تصويره لها عدم إمكان صدور هذا البيان إلا ممن أحاط بكل شي علما فانظر إلى قول الله تعالى في المرائين الذين ينفقون أموالهم لكسب المحمدة والثناء من الناس " فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا" ( البقرة/264) تشاهد هذه الصورة وكأنما هي ماثلة أمامك صورة الحجر الصلد الذي غطته طبقة خفيفة من التراب قد يظن أنه منبت فإذا أصابه الغيث ورجى خصبه ونباته إذا به يأتي على هذا التراب فيمحوه ويكشف عن هذا المنظر الكريه من الحجر فينقطع الرجاء من منفعته ويستحكم اليأس وتقابل هذه الصورة صورة مغايرة لها ضربها الله مثلا للذين لا يريدون بإنفاقهم إلا وجه الله ولا يبتغون إلا مرضاته وهي في قوله"وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ " ( البقرة/265) فانظر كيف يصور لك هذا الوصف بهذه الصورة المحببة إلى النفس صورة جنة عالية على ربوة أرضها خصبة من طبيعتها الإنبات إن أصابها وابل ضاعفت إنتاجها وإن لم يصيبها وابل كفاها الطل لجودة الأرض وخصوبة المناخ وهكذا تتجلى هذه المعاني الذهنية المختلفة بين الذين يراءون الناس والذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله في هذا التصوير الذي يوحي بما بين هاتين الطائفتين من البون الشاسع.

وتأمل قول الله تعالى"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ

٦٨ / ١٬٢٢٠