من دلائل الإعجاز في التعبير القرآني
الجزء ١ · صفحة ٩١من دلائل الإعجاز في التعبير القرآني
ومن دلائل الإعجاز في عبارة القرآن تميزه عن غيره من الكلام البليغ بكثرة الاحتمالات فإن كلام البشر كلما كان أبلغ كان أدل على المطلوب وأبعد عن الاحتمالات ولكن القرآن بما أنه صوت الغيب الموجه إلى مسامع الدهر يعي كل زمن من أزمنة الدهر من معانيه بقدر ما يكون فيه من مقاييس الفكر وتطورات العلم ومن ثم تجد الإنسان في كل عصر يشعر إذا تلا القرآن أن حقائقه تتجلى أكثر ما تتجلى في العصر الذي هو فيه فتجد الأعرابي البدائي الذي ما كان يتخيل المراصد الجوية ولا درس شيئا من الهيئة الكونية إذ تلا قول الله تعالى"وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُون وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " ( يسن/37، 39) يتصور منه المعاني التي تنطبق على فكره ، ويتسع لها أفقه العلمي ، كما تجد عالم الفلك الذي يستعين بالآلات المستحدثة المتنوعة على مهمته العلمية يتصور أن هذه الآيات ما جاءت إلا لتخاطب عقله وعقول نظرائه من العلماء الباحثين ومثل هذه الآيات قول الله تعالى"تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" ( الفرقان/62) وقوله تعالى" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا " ( الأعراف/54 ) وقوله" يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ " ( الزمر/5) بل تجد صاحب كل تخصص علمي في كل عصر يستخرج من القرآن الحقائق العلمية بحسب ما أوتي من فهم وما وصل إليه من