جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مثل من تفوق الإسلام في فلسفة الاجتماع

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

والصبر وعدم التضجر والتأفف مما يلقاه منهما وخفض الجناح لهما وعدم مقابلة إساءتهما بمثلها وتذكر ما كان منهما من تربية له واحتمال لإيذائه وصبر على بلواه من غير أن يتأففا أو يتضجرا ومن غير أن يخطر ببالهما حب التخلص منه وفي هذا التذكير ما يجعل اللسان يفيض بالضراعة والابتهال إلى الله بأن يرحمهما كما ربياه صغيرا فإن ذلك غاية ما يستطيعه إذ ليس في وسعه أن يكافئهما على إحسانهما فقد أحسنا إليه وهما لا يشعران بالملل أو السأم مما يلقيان منه في طفولته بل كان يهشان له ويبشان في وجهه مهما صدر منه من هفوة أو إيذاء لهما.

وإذا كان الوالدان مشركين فإن شركهما لا يمنع حقهما منه بل عليه أن يتلطف بهما ويطيع أمرهما ما لم يأمراه بعصيان الخالق تعالى فإنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" لذلك قال الحق تعالى بعد التوصية بهما(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ000 ) ( لقمان/15) .

وفي قصة إبراهيم عليه السلام التي ذكرها الله في سورة مريم مثل للأولاد الذين يبتلون بآباء كفرة أو فسقة، فقد كان إبراهيم متلطفا بأبيه في خطابه له مشفقا عليه من سوء المنقلب وشر المصير وقد حكى الله ذلك كله في قوله تعالى< وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) ( مريم/41، 45)

١١٩ / ١٬٢٢٠