جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

4- الإعجاز الخبري

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

حروبهم حروبا منظمة وإنما كانت حروبا قبلية ضيقة، والروم والفرس قد مارسوا الحروب وخبروها لمدة ثلاثة قرون واعتادت جيوشهم الانضباط العسكري وأبدى كل جيش من هذين الجيشين الكبيرين في المعارك التي دامت بينهما هذه المدة من مهارة الحرب وفنون القتال ما لم تكن قبائل العرب على خبرة به فأنى للجيش العربي أن يسحق جموع بني ساسان وبني الأصفر وهو يتكون من القبائل المتفرقة التي دأبت على التنافر والتناحر وعرفت بالأنفة والإباء بحيث يرفض كل قبيلة إمرأة القبيل الآخر؟!.

وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- لو كان يستمد وعوده من مقاييس عقله- يثق في اجتماع كلمة العرب وتخلصهم من عاداتهم التي طبعوا عليها واستعلائهم على أنانيتهم التي عرفوا بها حتى يكونوا قوة تتحدى العالم بأسره؟ فلو كان هذا المنطق منطقا بشريا لعد من أول الأمر فاشلا نظرا إلى حالات القوم مع العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج بالجماعة المؤمنة معه ليخوض بها معركة خارج الجزيرة العربية حتى يقيس بها ما يمكن إحرازه على يد هذه الجماعة من نصر، اللهم إلا ما كان من معركة (مؤتة) التي كانت بين المسلمين والروم في آخر عهده صلى الله عليه وسلم وقد أكلت هذه المعركة قادة الجيش الإسلامي قائدا بعد آخر ولم يحقق المسلمون فيها نصرا ماديا وإن بعثت في نفوسهم العزائم وأحجت أشواقهم إلى الاستشهاد في سبيل الله، ولعمري إن نظرة يلقيها العاقل إلى حال العرب وإلى ما وصلوا إليه من نصر على القوى العالمية لتعود إليه باليقين القاطع أنهم لم ينتصروا بقوتهم البشرية وإنما انتصروا بما وقر في قلوبهم من الإيمان، والثقة بوعد الله (سبحانه). فقد كان هؤلاء الأعراب الذين لم يتجاوزوا جزيرتهم القاحلة من قبل ولم يتعرفوا على ما عند الأمم من أنظمة السلم والحرب كانوا كأنما زويت لهم الأرض من أطرافها تحت أقدامهم، فلا يمدون أيديهم إلى جزء منها حتى يستسلم ولا يشيرون بسيوفهم ورماحهم إلى أي

١٣٤ / ١٬٢٢٠