الإعجاز البياني : التأثير النفسي للقرآن الكريم على العرب ونتائجه
الجزء ١ · صفحة ٧٠أشد عنادا من الذي يكذب حسه وينكر نفسه.
وقد تستعلي أحيانا الفطرة على عنادهم فلا تملك ألسنتهم إلا الاعتراف بما للقرآن من أثر في نفوسهم كما حدث للوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة اللذين لم يملكا إلا أن يصرحا بما يجيش في صدورهم أما الذين تجردوا من هذه المكابرة فلم يكن منهم إلا أن سلموا تسليما بمجرد ما قرع صوت القرآن مسامعهم إذ لم يقف حتى نفذ إلى أعماق وجدانهم كما كان من خبر أنيس وأبي ذر (رضي الله عنهما) ومثله ما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد عدائه المستحكم للدعوة التي يرفع القرآن لواءها فإنه بعد قسوته البالغة على أخته وزوجها رق قلبه بعد قسوته عندما تلا الصحيفة التي سطرت فيها آيات بينات من الكتاب فأحس بروحها تسري في روحه وكأنما أخذت عليه مسالك نفسه فاستجاب لندائها وأسلس لها القياد وكانت منه تلك النقلة السريعة من الجهل إلى العلم ومن الكفر إلى الإيمان ومن الغلظة إلى اللين ولم يكن أحد من قريش ينكر هذا التأثير النفسي للقرآن ولذلك كانوا يتواصون بالتصامم عنه واللغو فيه خشية أن ينفذ إلى قلوبهم فتنجذب إليه وإلى عقولهم فتنقاد له.
وهذا الذي ذكره الله عنهم في قوله"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" ( فصلت/26) ومع هذه المحاولات المختلفة لإطفاء نوره وإخفات صوته فقد تألق ومزق بسطوعه ظلمات الجاهلية فما لبثت جزيرة العرب أن تحولت برمتها إلى الإسلام، كل ذلك في ظرف عقدين من السنين وهو أمر غريب في تاريخ الدعوات ومن درس تاريخ الأمم وحركات الإصلاح أدرك أن هذا التحول ليس من مألوف البشر بل دعوات المرسلين السابقين لم يكن لها هذا الأثر في الأمم وإن كانت مقترنة بمعجزات حسية والقرآن نفسه يقص علينا نبأ نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ويخوفهم عقابه فما كان منهم إلا أن أعاروه آذانا صما ونبزوه بالألقاب ورموه