عجز العرب عن الطعن في القرآن أو معارضته
الجزء ١ · صفحة ٨٩فصوت النفس هو الكلمة التي تخرج حاملة معها نبرات حروفها مع ما توحيه تلك الحروف باختلاف مخارجها وتعدد صفاتها من إيحاءات خاصة فهذه الكلمة هي خطوة من خطوات المعاني تتقدم بها إلى النفس.
وصوت العقل هو ما يشد الإنسان ويثير انتباهه من معان تؤدي بالعبارات البليغة التي تصل إلى موضع الإقناع من العقل والوجدان من القلب.
وصوت الحس هو أعمق أثر وأقوى تأثيرا من ذلك كله وهو أن يستولي الكلام على حس الإنسان استيلاء يجعل النفس تشعر أنها منساقة إلى هذا التعبير انسياقا لا تملك دفعه وتنجذب إليه انجذابا لا تستطيع تصوره ولا تصور أسبابه، ذلك لما في الكلام من روح غيبية فوق مدارك الأفهام وهذا الصوت إن وجد في كلام الناس فهو نادر الوقوع ولا يكون إلا في كلمات معدودة أما أن يكون في جميع الكلام أوله وآخره فهو لم يعهد إلا في القرآن وحده، فكل حرف من حروفه تسري فيه هذه الروح الغيبية فتجعله نابضا بحياة لا توجد فيه لو أزيل من موضعه ووضع في أي موضع من كلام بلغاء البشر، وبهذه الروح التي يتميز بها القرآن ملأ قلوب العرب سر إعجازه فكان هذا الإعجاز راسخا في قرارة كل نفس من نفوسهم وإن أنكروه بأطراف ألسنتهم وكان هذا الإحساس لا ينفك عنهم فلو حاولوا أن يأتوا بأي كلام آخر ليعارضوه به لشعروا بذلك الإحساس يسد عليهم مسالك التعبير ولو استطاعوا ترتيب المعاني الذهنية في نفوسهم بعمق تصورهم وسعة خيالهم لخانتهم ألسنتهم وتعثرت في نهج البيان وإذ عجز العرب- الذين كان البيان سجية من سجاياهم- عن معارضته فمن بعدهم من المولدين أوغل في العجز وإن تعمقوا في دراسة سر البيان واستجلوا لطائف التعبير إذ ليس التطبع كالطبع "ليس التكحل في العينين كالكحل".
ولو حاول ذلك لبدا لهم عجزهم من حيث يتخيلون قدرتهم فلو اشتغلوا بالحروف ينظمونها مع رعاية مخارجها ونبراتها وإيحاءاتها لفاتتهم